سرقت كلمة «الكركوز» الأضواء من كلام ربما كان أكثر أهمية بكثير مما قاله عبد الإله بنكيران عن عبد اللطيف وهبي.
منابر إعلامية اختارت الاشتباك الشخصي عنواناً، فتوقفت عند وصف وهبي بـ«الكذاب» و«الكركوز»، بينما حمل الخطاب نفسه، الذي ألقاه بنكيران بالنواصر يوم 4 أكتوبر 2026، كلاماً أعمق يمس سؤال السلطة والحكومة والانتخابات: رئيس حكومة سابق يقول أمام أعضاء حزبه إنه لم يستطع تغيير المغرب، ويخبرهم بأنهم لن يستطيعوا «إصلاح الأمة»، ثم يتحدث عن «أطراف أخرى» وعن أشخاص في «مواقع عليا في الدولة».
وقد ركزت بالفعل تغطيات إعلامية على سجاله مع وهبي أكثر من هذا الجانب المؤسساتي من الخطاب.
هنا تحديداً تبدأ القصة التي ابتلعها ضجيج «الكركوز».
الكلمة ليست تسريباً ولا مقطعاً مجهول السياق. حزب العدالة والتنمية نشر التسجيل الكامل على منصته الرسمية، ثم عاد في اليوم التالي إلى جزء من مضمونه، مؤكداً أن بنكيران قال إن مهمة الحزب ليست «إصلاح المغرب بشكل كامل»، وإن واقع البلاد معقد، وإن المطلوب هو المساهمة في الإصلاح ودفع ما أمكن من الفساد.
لكن الاستماع إلى الخطاب كاملاً يكشف أن بنكيران لم يتوقف عند هذه الصياغة العامة.
الرجل خاطب أعضاء حزبه قائلاً إن الناس انتخبوهم لأنهم يعلقون عليهم الأمل، قبل أن يضع سقفاً لذلك الأمل: «لن تستطيعوا إصلاح الأمة»، مضيفاً أن عملية الإصلاح صعبة وأن هناك «أطرافاً أخرى» تجعل عملية الإصلاح أكثر تعقيداً.
ثم استدعى أقوى دليل يستطيع تقديمه: تجربته الشخصية.
قال، وهو يستحضر سنواته في رئاسة الحكومة: «لم أغيّر المغرب».
ثلاث كلمات فقط، لكنها تفتح ملفاً أكبر بكثير من الصراع بين شخصيتين سياسيتين.
بنكيران لم يشاهد السلطة التنفيذية من مقاعد المعارضة. قاد الحكومة المغربية بين 2011 و2017، وقاد الحكومة التي ينص الفصل 89 من الدستور على أنها تمارس السلطة التنفيذية.
ولذلك فإن قوله بعد مرور سنوات إن تجربته لم تمكنه من «تغيير المغرب» يفرض سؤالاً طبيعياً: ما الذي اكتشفه رئيس الحكومة داخل السلطة ولم يكن ظاهراً بالوضوح نفسه خارجها؟
السؤال يصبح أكثر أهمية اليوم لأن بنكيران لا يخاطب حزباً خرج من الحياة السياسية.
العدالة والتنمية عاد من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً في الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، بحسب النتائج النهائية الرسمية، وأصبح مجدداً قوة برلمانية وازنة داخل المعارضة.
أي أن الحزب يستعيد جزءاً من وزنه الانتخابي في اللحظة نفسها التي يخبر فيها أمينه العام قواعده بأن الوصول إلى المؤسسات لا يعني القدرة على تغيير البلاد كما قد يتصور الناخب.
وهنا يظهر أول سؤال ثقيل: ماذا تبقى من «سلطة الصندوق» إذا كان الحزب يستطيع الوصول إلى رئاسة الحكومة ثم يكتشف أن مساحة التغيير أضيق مما توحي به الحملات الانتخابية؟
لا يعني ذلك أن نتيجة الانتخابات تمنح الفائز سلطة مطلقة. لا توجد دولة دستورية حديثة تضع جميع مفاتيح القرار في يد حكومة واحدة.
هناك فصل للسلط، ومؤسسات رقابة، وسلط مستقلة، والتزامات دستورية، وتوازنات مالية واجتماعية واقتصادية.
لكن بنكيران لم يقل فقط إن «الإصلاح صعب».
استعمل عبارة أخرى: «أطراف أخرى».
وهنا يتغير السؤال.
من هي هذه الأطراف؟
يزداد الأمر حساسية لأن العبارة لم تأت منفصلة عن بقية الخطاب.
أثناء حديثه عن ملفات واجهت حكومة عزيز أخنوش، قال بنكيران، بحسب التسجيل ذاته، إن المغرب «ما زال فيه ناس فمواقع عليا فالدولة كيفهمو»، مستحضراً، من وجهة نظره، دور مستويات أخرى داخل الدولة في الانتباه إلى بعض الملفات التي كان حزبه ينتقدها.
وضع العبارتين جنباً إلى جنب ينتج سؤالاً يصعب تجاوزه: عندما يقول رئيس حكومة سابق إن هناك «أطرافاً أخرى»، ثم يتحدث عن «ناس في مواقع عليا في الدولة»، فما البنية التي يصفها تحديداً؟
هنا يجب الحذر من القفز إلى أجوبة لم يقدم عليها بنكيران دليلاً.
كلامه وحده لا يثبت وجود «حكومة ظل»، ولا يسمح بتحويل عبارة سياسية غامضة إلى حقيقة عن وجود سلطة سرية تدير الدولة.
لكن الغموض نفسه لا يلغي السؤال؛ بل يجعله أكثر إلحاحاً.
هل يقصد بنكيران مؤسسات دستورية معروفة تمارس صلاحياتها المقررة؟
هل يتحدث عن أجهزة الإدارة والمؤسسات العمومية والمقاومة البيروقراطية التي يمكن أن تواجه أي مشروع إصلاحي؟
هل يقصد لوبيات اقتصادية وشبكات مصالح قادرة على التأثير في القرار العمومي؟
أم أنه يتحدث عن تجربة أخرى مع موازين القرار عرفها عندما كان رئيساً للحكومة، ولم يشرح تفاصيلها للرأي العام؟
الجواب عند بنكيران، وليس عند من يستمع إليه.
لأن الدستور، من جهته، لا يترك موقع الحكومة غامضاً.
الفصل 89 يقول بوضوح: «تمارس الحكومة السلطة التنفيذية»، ويضيف أن الحكومة تعمل تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، وأن الإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
والفصل 90 يمنح رئيس الحكومة السلطة التنظيمية.
وفي الجانب الآخر من الهندسة الدستورية، ينص الفصل 42 على أن الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها و«الحكم الأسمى بين مؤسساتها»، ويسهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي.
الدستور، إذن، لا يقول إن الحكومة هي الدولة كلها، لكنه لا يقدمها أيضاً باعتبارها جهازاً إدارياً بلا سلطة.
الحكومة «تمارس السلطة التنفيذية».
ومن هنا تصبح تجربة بنكيران ذات قيمة سياسية خاصة: أين وجد، أثناء ممارسته لهذه السلطة التنفيذية، الحدود التي جعلته يقول بعد سنوات: «لم أغيّر المغرب»؟
بنكيران نفسه يقودنا إلى المرحلة التالية من الجواب.
حين وصل في خطاب النواصر إلى الحديث عن المؤسسة الملكية، لم يقدمها باعتبارها جزءاً من المشكلة، بل فعل العكس تماماً.
قال إن وجود النظام الملكي والملك محمد السادس يجنب البلاد «الكوارث الكبرى»، قبل أن يلخص تصوره لموقع الملك بعبارة واضحة: «ملكنا هو حكم، وليس مجرد حاكم».
والصياغة التي نشرها الموقع الرسمي لحزبه في اليوم التالي أكدت المعنى نفسه، إذ أبرزت إشادة بنكيران بدور المؤسسة الملكية في الاستقرار والتوازن، بالتوازي مع دعوته حزبه إلى مواصلة مقاومة الفساد والعمل من داخل المؤسسات.
وهنا تتضح خريطة بنكيران السياسية أكثر.
في تصوره، الصندوق مهم، والحكومة مهمة، والعمل الحزبي مهم، لكن أياً منها لا يختزل الدولة كلها.
وفي المقابل، يضع المؤسسة الملكية في موقع مركزي للتحكيم وحماية التوازن والاستقرار.
هذه الرؤية ليست جديدة عليه، ولا يمكن اعتبارها مجرد تفسير استحدثه بعد مغادرة الحكومة.
قبل عشر سنوات بالضبط، في 4 أكتوبر 2016، كان بنكيران رئيساً للحكومة حين تحدث عن حدود ممارسة السلطة؛ وفي 4 أكتوبر 2026 عاد من النواصر ليقول: «لم أغيّر المغرب».
آنذاك قال، وفق ما نقلته هسبريس عن مقابلته مع قناة «الحرة»، إن «الفاعل الرئيسي والحاكم الوحيد في المغرب هو الملك محمد السادس»، موضحاً أنه يمتلك صلاحيات لكنها توجد، حسب تعبيره، في إطار صلاحيات الملك.
الأكثر دلالة جاء عندما تحدث عن علاقته بمستشاري الملك.
قال إنه في بداية ولايته لم يكن يفهم بصورة كاملة طبيعة العلاقة التي يفترض أن تربط الحكومة بالمستشارين، قبل أن يضيف: «جاء تنبيه وضع الحدود، وفهمت ما هي الحدود». والتصريح نفسه نُقل آنذاك في أكثر من تغطية صحفية.
وهنا يصبح التسلسل أكثر وضوحاً.
سنة 2016، وهو داخل رئاسة الحكومة: «فهمت ما هي الحدود».
سنة 2026، وبعد خروجه من رئاسة الحكومة: «لم أغيّر المغرب».
وبين العبارتين عشر سنوات وتجربة سياسية كاملة.
لا تثبت المقارنة وحدها وجود جهة غير دستورية تتحكم في القرار، لكنها تكشف أن بنكيران نفسه يحمل منذ سنوات تصوراً واضحاً بأن السلطة الحكومية، حتى عندما تستند إلى صناديق الاقتراع، تتحرك داخل حدود أوسع منها.
وهذا يعيدنا مباشرة إلى الناخب.
المواطن لا يذهب إلى صندوق الاقتراع ليختار مديراً أعلى للإدارة فقط. الأحزاب تقدم له برامج في التعليم والصحة والشغل والاستثمار والضرائب وإصلاح المؤسسات ومحاربة الفساد، وتطلب منه أن يمنحها ثقته حتى تحول تلك البرامج إلى سياسات عمومية.
فإذا كان من يصل إلى رئاسة الحكومة يكتشف لاحقاً أن قدرته على تنفيذ التحول الذي وعد به محدودة بعوامل ومراكز وموازين لم تكن واضحة للناخب، فمن حق الناخب أن يعرفها قبل التصويت، لا بعد مغادرة رئيس الحكومة لمنصبه.
هذه ربما هي النقطة التي تجعل كلام بنكيران يتجاوز العدالة والتنمية نفسه.
المشكلة ليست أن للحكومة حدوداً. كل سلطة في دولة دستورية لها حدود.
المشكلة هي: هل يعرف المواطن هذه الحدود فعلاً؟
هل تشرح الأحزاب أثناء الانتخابات ما يقع داخل صلاحياتها المباشرة وما يحتاج إلى توافق مؤسساتي أوسع؟
هل تميز في برامجها بين ما تستطيع الحكومة تنفيذه بقرار منها وبين ما لا تستطيع إنجازه منفردة؟
وإذا اصطدمت أثناء الحكم بلوبيات أو مقاومة إدارية أو مصالح اقتصادية أو مؤسسات أخرى، لماذا لا تقدم للرأي العام بعد انتهاء التجربة كشفاً واضحاً بما وقع؟
هنا تحديداً تصبح عبارة «هناك أطراف أخرى» غير كافية.
إذا كان بنكيران يقصد المؤسسات الدستورية، فليس هناك ما يمنعه من تسميتها وشرح طبيعة التوازن الذي واجهه معها.
وإذا كان يقصد الإدارة والبيروقراطية، فليشرح القرارات التي اصطدمت بها.
وإذا كان يقصد لوبيات اقتصادية أو شبكات مصالح، فليحدد الملفات والوقائع التي جعلته يصل إلى هذه الخلاصة.
وإذا كان يقصد شيئاً آخر، فمن حق الرأي العام أن يعرف ماذا يقصد رئيس حكومة سابق عندما يخبره بأن هناك «أطرافاً أخرى» تجعل إصلاح البلاد أكثر صعوبة.
فالغموض، حين يتعلق بمركز القرار، لا يغلق باب التأويل، بل يفتحه.
وهنا يظهر حجم المفارقة التي أخفتها معركة وهبي.
وصف سياسي بـ«الكركوز» يمكن أن يصنع عنواناً رائجاً ليوم أو يومين.
أما أن يقول رئيس حكومة سابق إنه لم يغير المغرب، وأن يخبر حزباً عاد إلى الواجهة الانتخابية بأن الوصول إلى المؤسسات لن يمكنه وحده من إصلاح البلاد، وأن يربط تجربته بوجود «أطراف أخرى» و«مواقع عليا في الدولة»، فذلك ليس سجالاً شخصياً.
ذلك سؤال في صميم النظام السياسي نفسه.
من يقرر ماذا داخل المغرب؟
ما المساحة الفعلية التي يملكها رئيس الحكومة بمجرد حصول حكومته على ثقة البرلمان؟
أين تبدأ حدود سلطته؟
وأي القرارات تبقى تحت مسؤوليته الكاملة حتى لا تصبح عبارة «لم نستطع» مخرجاً سياسياً بعد انتهاء كل ولاية؟
ثم يأتي السؤال الأثقل، الذي يعيد النقاش إلى النقطة التي بدأ منها بنكيران نفسه.
إذا كان الدستور ينص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، وإذا كانت الانتخابات تمنح الأحزاب شرعية لتطبيق برامجها، وإذا كان رئيس حكومة سابق يقول بعد تجربته: «لم أغيّر المغرب» ويتحدث عن «أطراف أخرى» و«حدود» سبق أن فهمها وهو في السلطة، فما الذي يبقى عملياً من «سلطة الصندوق»؟
لا يحتاج الجواب إلى تخمين أسماء ولا إلى صناعة نظريات عن «دولة داخل الدولة».
يحتاج فقط إلى أن يكمل عبد الإله بنكيران الجملة التي بدأها.
من هي «الأطراف الأخرى»؟
ما هي «الحدود»؟
وما الذي يستطيع رئيس الحكومة في المغرب تغييره فعلاً، وما الذي لا يستطيع؟
لأن الناخب، قبل أن يعرف لمن يمنح صوته، من حقه أن يعرف أولاً: ما الذي يستطيع صوته أن يغيّره؟
