بقلم: نعيم بوسلهام
انتهت الانتخابات التشريعية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يبدأ بعدها أكثر أهمية من السؤال الذي سبقها: ماذا يستطيع المنتخب أن يغيّر فعلًا؟
السؤال ليس تشكيكًا في مبدأ الانتخاب، ولا إنكارًا لأهمية المؤسسات المنتخبة، وإنما يتعلق بجوهر الديمقراطية نفسها: هل تتناسب المسؤولية السياسية التي يتحملها المنتخب مع السلطة الفعلية التي يمتلكها لاتخاذ القرار وتنفيذ الاختيارات التي انتُخب على أساسها؟
تتجلى المفارقة بوضوح في تدبير التنمية الترابية. فالمواطن ينتخب ممثليه على أساس برامج تتعهد بتحسين المستشفيات والمدارس وخلق فرص الشغل وتطوير البنيات التحتية وتقليص الفوارق المجالية. لكن عندما يتعلق الأمر بتحديد الحاجات وترتيب الأولويات وإعداد البرامج وتنسيقها وتعبئة الموارد، تظهر الإدارة الترابية، ممثلة في العامل والوالي، باعتبارها طرفًا مركزيًا في سلسلة القرار.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: من يملك القرار ومن يتحمل المسؤولية؟
لا يتعلق الأمر بالطعن في الدور الذي تضطلع به الإدارة الترابية. فوجود إدارة قوية وفعالة ضرورة لضمان استمرارية الدولة، وتنسيق السياسات العمومية، واحترام القانون، وحماية المال العام. لكن الإدارة شيء، وامتلاك القرار السياسي شيء آخر. وكلما اتسع نفوذ المسؤول المعيّن في تحديد الأولويات الفعلية للتنمية، ضاق الهامش الذي يستطيع المنتخب من خلاله ترجمة البرنامج الذي منحه الناخبون أصواتهم على أساسه.
المفارقة أن المواطن لا يصوّت للعامل ولا للوالي، لكنه قد يجد نفسه أمام قرارات تنموية تتأثر بدرجة كبيرة بمؤسسات لا تستمد شرعيتها من الاقتراع. وفي المقابل، يصوّت للمنتخب ثم يحاسبه على المستشفى الذي لم يُبنَ، والمدرسة التي لم تُصلح، وفرص العمل التي لم تُخلق، والمشروع الذي تعثر، حتى عندما تكون مفاتيح القرار موزعة بين مستويات إدارية ومالية متعددة.
هنا تنفصل المسؤولية عن السلطة: يُحاسَب المنتخب على نتائج قد لا يملك كامل القدرة على صناعة أسبابها.
وتزداد المفارقة حدة مع البرامج التنموية الممتدة لسنوات طويلة. فمن الطبيعي أن تحتاج المشاريع الاستراتيجية إلى الاستمرارية، لكن استمرار البرامج لا ينبغي أن يعني تحصينها من المراجعة الديمقراطية. فالانتخابات لا تعني فقط تغيير الأشخاص والأغلبيات، وإنما يفترض أن تمنح الناخب إمكانية التأثير في السياسات العمومية وتعديل الأولويات من خلال من يختارهم.
أما إذا تغيرت الأغلبية بينما ظلت مفاتيح القرار التنموي الأساسية خارج نطاق تأثيرها الفعلي، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بمن فاز في الانتخابات، وإنما بمدى قدرة هذا الفوز على إنتاج تغيير حقيقي في السياسات.
وهنا تكمن إحدى الإشكالات الأساسية في النموذج المغربي: تعدد مراكز القرار لا يصاحبه دائمًا وضوح مماثل في توزيع المسؤولية. الحكومة لها اختصاصاتها، والبرلمان له أدواره، والجهات والجماعات لها اختصاصاتها، والإدارة الترابية لها نفوذها، والنتيجة أن المواطن قد يجد صعوبة في معرفة من يقرر ومن ينفذ ومن يتحمل مسؤولية التعثر.
والديمقراطية لا تحتاج فقط إلى صناديق اقتراع، بل إلى تطابق معقول بين السلطة والمسؤولية والمحاسبة. فإذا كان المنتخب يمتلك المسؤولية السياسية دون أن يمتلك أدوات القرار الكافية، تصبح مساءلته ناقصة. وإذا امتلك المسؤول المعيّن سلطة مؤثرة في القرار دون أن يكون خاضعًا للمحاسبة الانتخابية، تنشأ فجوة بين من يقرر ومن يُحاسَب.
المطلوب، إذن، ليس إضعاف الإدارة أو وضعها في مواجهة المؤسسات المنتخبة، بل إعادة ضبط العلاقة بينهما على أساس واضح: الإدارة تنسق وتنفذ وتراقب احترام القانون، والمنتخب يحدد الاختيارات السياسية ضمن اختصاصاته، والمواطن يعرف بدقة من يملك القرار حتى يستطيع محاسبته.
فالمشكلة ليست في وجود العامل أو الوالي، وإنما في أن يصبح حضور المسؤول المعيّن أقوى من الحضور الفعلي للمسؤول المنتخب في المجالات التي يفترض أن تكون موضوعًا للمحاسبة الديمقراطية.
لقد انتهت الانتخابات، لكن الاختبار الحقيقي للديمقراطية يبدأ الآن. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة من فاز بالمقاعد، بل إلى معرفة ما الذي يستطيع هؤلاء المنتخبون تغييره بالفعل.
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش حول المشاركة السياسية: ليس فقط «من انتخبناه؟»، وإنما «هل يملك من انتخبناه السلطة التي تمكنه من تنفيذ ما انتُخب من أجله؟»
لأن الانتخابات تفقد جزءًا من معناها حين يتغير المسؤول المنتخب، بينما تبقى مراكز القرار الحقيقية خارج نطاق التغيير الانتخابي. أما الديمقراطية الفعلية، فلا تكتمل إلا عندما تتقاطع ثلاثة عناصر في نقطة واحدة: **من يقرر، ومن يتحمل المسؤولية، ومن يستطيع المواطن محاسبته.
