بقلم: الباز عبدالإله
حملت الساعات الأولى التي أعقبت تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026، صورتين سياسيتين لافتتين في المشهد نفسه: رئيسة الحكومة المعينة تفتح قناة تواصل مباشرة مع عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، فيما يعلن عضو المكتب السياسي لـ«البام» هشام المهاجري، في الليلة نفسها، أن «العدالة والتنمية أيديولوجياً خط أحمر» بالنسبة إليه.
المعطى الأول جاء من حزب العدالة والتنمية نفسه، فقد أعلن موقعه الرسمي، عند الساعة 22:36 من مساء الثلاثاء، أن ابن كيران تلقى اتصالاً هاتفياً من المنصوري «من أجل عقد لقاء للتواصل»، مضيفاً أن الأمين العام لـ«المصباح» رحب بالمبادرة وترك لرئيسة الحكومة المعينة اقتراح الموعد المناسب.
الاتصال جاء بعد ساعات فقط من تعيين الملك محمد السادس للمنصوري رئيسة للحكومة، وتكليفها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بتشكيل الحكومة الجديدة.
وفي التوقيت السياسي نفسه تقريباً، كان هشام المهاجري، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، يقدم على شاشة القناة الأولى قراءة مختلفة للعلاقة مع العدالة والتنمية.
المهاجري، الذي حل ضيفاً على برنامج «نقطة إلى السطر» لمناقشة نتائج انتخابات 23 شتنبر وسيناريوهات التحالفات الحكومية، حرص في البداية على تحديد طبيعة موقفه، قائلاً إن الأمر يتعلق برأيه الشخصي داخل الحزب، قبل أن يعلن بوضوح: «حزب العدالة والتنمية أيديولوجياً خط أحمر». وكانت القناة الأولى قد أعلنت أن الحلقة ستخصص تحديداً للخريطة السياسية الجديدة والتحالفات الممكنة لتشكيل الأغلبية.
التزامن يضع أمام المتابع مستويين مختلفين داخل المشهد نفسه: مستوى مؤسساتي تقوده رئيسة الحكومة المعينة وهي تفتح الاتصال مع زعيم حزب اختار المعارضة، ومستوى حزبي داخلي يعبر فيه قيادي في «البام» عن رفض شخصي لأي تحالف مع «البيجيدي» انطلاقاً من الاختلاف الأيديولوجي.
ولا يعني اتصال المنصوري بابن كيران، وفق المعطيات المنشورة حتى الآن، عرضاً على العدالة والتنمية للمشاركة في الحكومة.
فالبلاغ الرسمي للحزب وصف الغاية من الاتصال بأنها «عقد لقاء للتواصل»، دون الإعلان عن مضمون تفاوضي آخر أو ربط اللقاء بالمشاركة في الأغلبية.
كما أن حزب العدالة والتنمية كان قد حسم موقفه قبل ذلك بثلاثة أيام، حين قرر مجلسه الوطني، بإجماع الأعضاء الحاضرين يوم 26 شتنبر، الاصطفاف في المعارضة البرلمانية وعدم المشاركة في الحكومة المقبلة.
ابن كيران نفسه كان قد أعلن قبل صدور ذلك القرار أن قناعته تتجه إلى عدم المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يحيل القرار المؤسساتي على المجلس الوطني، الذي حسم لاحقاً خيار المعارضة.
غير أن أهمية اتصال الثلاثاء تكمن في أنه أبقى قناة التواصل السياسي مفتوحة بين رئيسة الحكومة المعينة وزعيم الحزب الذي سيكون أحد أبرز مكونات المعارضة البرلمانية، رغم التاريخ الطويل من التوتر السياسي بين الحزبين.
المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عند العودة إلى الموقف الذي أعلنته المنصوري نفسها مباشرة بعد الانتخابات.
ففي 24 شتنبر، أكدت أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يضع أي حزب ضمن «الخطوط الحمراء»، وأن معيار التعامل مع الأحزاب سيكون البرامج والتصورات، مع إخضاع قرارات التحالف لمؤسسات الحزب ومشاوراته الداخلية.
المهاجري لم يقدم موقفه بوصفه قراراً جديداً لـ«البام»، بل شدد خلال الحوار على أنه يتحدث عن رأيه الشخصي. ولذلك لا يمكن قراءة عبارته «العدالة والتنمية أيديولوجياً خط أحمر» باعتبارها إغلاقاً رسمياً للباب الذي فتحته قيادة الحزب أمام الحوار مع مختلف القوى السياسية.
لكن التصريح يكشف أن شعار «لا خطوط حمراء» لا يعني غياب خطوط حمراء داخلية لدى بعض قيادات الأصالة والمعاصرة، وأن العلاقة مع العدالة والتنمية ستظل إحدى أكثر الملفات حساسية داخل التوازنات السياسية الجديدة.
ليلة 29 شتنبر حملت، بذلك، مفارقة سياسية واضحة: المنصوري تتصل بابن كيران وتدعوه إلى لقاء للتواصل، وابن كيران يرحب، بينما يعلن المهاجري في الليلة نفسها أن الحزب الذي يقوده ابن كيران يمثل بالنسبة إليه «خطاً أحمر» أيديولوجياً.
المشهد لا يثبت وجود خلاف مؤسساتي داخل «البام»، لكنه يكشف مبكراً أن إدارة العلاقة بين الأغلبية المقبلة ومعارضة يقود أحد أقطابها العدالة والتنمية لن تكون مجرد مسألة أرقام داخل البرلمان، بل ستظل محكومة أيضاً بتاريخ طويل من الاختلاف السياسي والأيديولوجي بين الطرفين.
