بقلم: الباز عبدالإله
عبرت صناعة النسيج والجلد في المغرب واحدة من أقسى مراحلها خلال العقدين الأخيرين، بعدما انتقلت من قطاع كان يشكل خزانا مهما لتشغيل الشباب والنساء وإعالة عشرات الآلاف من الأسر، إلى مجال فقد عشرات الآلاف من مناصب الشغل، رغم إطلاق الدولة برامج للتأهيل منذ عهد حكومة إدريس جطو، ثم اعتماد استراتيجية صناعية جديدة في عهد عباس الفاسي، قبل استمرار نزيف التشغيل خلال السنوات الأولى من حكومة عبد الإله بنكيران.
الحصيلة التي سجلتها المندوبية السامية للتخطيط ثقيلة، إذ فقد قطاع النسيج والجلد حوالي 119 ألف منصب شغل بين سنتي 2008 و2014، ضمن منحى تنازلي قالت المندوبية إنه بدأ منذ سنة 2007، فيما اختفى خلال سنة واحدة فقط، بين 2013 و2014، نحو 32 ألف منصب إضافي.
ولا يتعلق الأمر بقطاع هامشي في الاقتصاد المغربي آنذاك، فقد كانت صناعة النسيج والملابس واحدة من أبرز الصناعات المشغلة بالمملكة، وخصوصا للنساء، وارتبطت بها آلاف الأسر في الدار البيضاء وسلا وطنجة وفاس ومكناس ومدن صناعية أخرى، حيث كان راتب عامل أو عاملة داخل المصنع يمثل، في حالات كثيرة، مصدر الدخل الأساسي لأسرة كاملة.
وتظهر بيانات اعتمد عليها البنك الدولي خلال تلك المرحلة أن صناعة النسيج والملابس كانت تشغل أكثر من 200 ألف شخص داخل القطاع الصناعي المنظم، فيما كانت النساء يمثلن حوالي 65 في المائة من العاملين في صناعة الملابس، ما جعل فقدان الوظائف الذي سيضرب القطاع لاحقا أزمة اجتماعية بقدر ما كان أزمة صناعية.
ولم تبدأ القصة مع الأزمة المالية العالمية لسنة 2008، بل قبل ذلك بسنوات، إذ كان موعد إنهاء نظام الحصص الذي كان يقيد صادرات كبار المنتجين العالميين للنسيج معروفا مسبقا، بعدما وضعت منظمة التجارة العالمية منذ منتصف التسعينيات جدولا زمنيا يمتد عشر سنوات لإنهائه، قبل توقفه نهائيا في فاتح يناير 2005.
ومع انتهاء هذا النظام، وجدت المصانع المغربية نفسها في مواجهة منافسة أكثر مباشرة مع منتجات الصين ودول آسيوية أخرى داخل السوق الأوروبية، التي كانت الوجهة الأساسية لصادرات الملابس المغربية، وهو تحول لم يكن مفاجئا بالنسبة إلى السلطات العمومية لأن موعده وقواعده كانا معروفين قبل سنوات.
وخلال حكومة إدريس جطو، التي أدارت مرحلة هذا التحول، كان صلاح الدين مزوار وزيرا للصناعة والتجارة وتأهيل الاقتصاد، بعدما جاء بدوره من قطاع النسيج وسبق له تولي رئاسة الجمعية المغربية لصناعات النسيج والألبسة.
وفي أكتوبر 2005، تحركت الحكومة باتفاق مع مهنيي القطاع وأطلقت ما عرف بـ«Emergence Textile»، باعتباره برنامجا لمواجهة المنافسة الجديدة ورفع تنافسية الصناعة المغربية.
ولم تكن الخطة مجرد إعلان نوايا، إذ تضمنت تسهيلات جمركية وضريبية، ودعما لإعادة هيكلة الشركات، ومساهمات مالية في برامج التأهيل والاستثمار، وتخفيضات مرتبطة بالطاقة، إلى جانب آليات تمويل موجهة إلى المقاولات التي كانت تواجه صعوبات.
وبذلك كانت الدولة قد شرعت في إعداد القطاع للتحولات الجديدة قبل بداية النزيف الذي ستسجله أرقام التشغيل لاحقا، غير أن المندوبية السامية للتخطيط تحدد سنة 2007 كبداية لمنحى متواصل لفقدان الوظائف داخل فرع النسيج والجلد.
ومع وصول حكومة عباس الفاسي، دخل القطاع مرحلة أكثر صعوبة، بالتزامن مع انفجار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية سنة 2008، والتي ضربت أوروبا بشكل مباشر وأثرت في الطلب داخل الأسواق الرئيسية التي تعتمد عليها الصناعة المغربية.
ولم تكتف الحكومة بتدبير الأزمة ظرفيا، بل أطلقت سنة 2009 «الميثاق الوطني للإقلاع الصناعي 2009-2015»، باعتباره استراتيجية صناعية جديدة تشمل النسيج والجلد إلى جانب قطاعات أخرى، وتضمن 111 التزاما موزعة على محاور تتعلق بالتنافسية والاستثمار والتكوين وتحسين مناخ الأعمال.
وهكذا أصبح قطاع النسيج، خلال سنوات قليلة، أمام برنامج للتأهيل أطلق سنة 2005، ثم استراتيجية صناعية ثانية سنة 2009، لكن حصيلة التشغيل المسجلة بعد ذلك تضع فعالية هذه التدخلات أمام سؤال ثقيل.
فبين 2008 و2014، وهي الفترة التي غطت السنوات الأخيرة من حكومة عباس الفاسي والسنوات الأولى من حكومة عبد الإله بنكيران، فقد قطاع النسيج والجلد، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، حوالي 119 ألف منصب شغل.
ولا يمكن وضع هذا الرقم على عاتق حكومة إدريس جطو زمنيا، لأن الفترة التي يحتسبها الإحصاء تبدأ سنة 2008، بعد انتهاء ولايتها، غير أن حكومتها تبقى جزءا أساسيا من الملف باعتبارها صاحبة أول خطة كبرى لتأهيل القطاع بعد التحول الذي فرضه انتهاء نظام الحصص العالمي.
كما أن المسؤولية السياسية عن المرحلة لا يمكن اختزالها في وزير أو حزب أو حكومة واحدة، إذ تعاقبت استراتيجيات مختلفة على القطاع، بينما استمر منحى فقدان الوظائف من نهاية عهد جطو إلى سنوات عباس الفاسي ثم بنكيران.
ولا يمكن، في المقابل، تحميل الحكومات المغربية وحدها مسؤولية كل منصب شغل ضاع، لأن القطاع تعرض بالفعل لصدمات خارجية ثقيلة، بدأت بتصاعد المنافسة الآسيوية بعد تحرير تجارة النسيج عالميا، ثم تزامنت مع الأزمة المالية لسنة 2008 وانكماش الطلب الأوروبي.
لكن هذه العوامل الخارجية لا تلغي السؤال عن فعالية السياسة العمومية نفسها، لأن وظيفة الحكومات والخطط الصناعية لم تكن منع الصين من التصدير أو منع أزمة اقتصادية عالمية من الوقوع، وإنما إعداد الصناعة الوطنية ومقاولاتها وعمالها لتحولات كان جزء أساسي منها معروفا مسبقا.
وهنا تظهر المفارقة بين حجم التدخل المعلن وحجم الخسارة المسجلة.
فبرنامج سنة 2005 استهدف رفع تنافسية النسيج وتأهيل المقاولات، وميثاق سنة 2009 أعاد وضع القطاع ضمن أولويات السياسة الصناعية، لكن الحصيلة الرسمية انتهت إلى فقدان 119 ألف منصب شغل بين 2008 و2014.
والخسارة لم تكن مجرد رقم داخل جداول التشغيل، لأن قطاع النسيج كان يستوعب فئات لا تتوفر دائما على فرص بديلة سهلة، وخصوصا النساء والشباب ذوي مستويات التأهيل المحدودة الذين وجد كثير منهم داخل المصانع مدخلا مباشرا إلى سوق الشغل.
وكشف تشخيص المندوبية لسنة 2014 عن هشاشة اجتماعية كبيرة داخل ما تبقى من القطاع، إذ كان حوالي 70 في المائة من المشتغلين في النسيج والجلد دون تغطية صحية، فيما كان أكثر من ثلاثة من كل خمسة أجراء يشتغلون دون عقد عمل.
وبذلك لم يعد السؤال فقط كم مصنعا أغلق أبوابه، وإنما ماذا حدث لعشرات الآلاف من العمال والعاملات بعد خروجهم منها، وهل استطاعت سياسات التشغيل والتكوين وإعادة الإدماج التقاطهم، أم أن جزءا منهم انتقل من الوظيفة الصناعية إلى البطالة أو الهشاشة والقطاع غير المهيكل.
ويزيد البعد الإقليمي من أهمية الملف، إذ كان المغرب خلال الفترة نفسها يتنافس مع دول مثل تونس ومصر على استقطاب الاستثمارات وطلبيات الشركات الأوروبية.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن تونس كانت تمنح الشركات المصدرة كليا، ضمن نظامها الصناعي الموجه للتصدير، امتيازات قوية شملت إعفاءات ضريبية طويلة الأمد، وتسهيلات جمركية لإدخال المواد والتجهيزات، وتحفيزات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار.
لكن المعطيات المتاحة لا تسمح بالقول إن المصانع المغربية انتقلت جماعيا إلى تونس، كما لا تثبت وجود اتفاق سياسي أدى إلى ترحيلها، وإنما توثق وجود منافسة إقليمية قوية على الاستثمار وعمليات نقل الإنتاج الأوروبية، في وقت كان فيه المغرب يحاول الاحتفاظ بموقعه داخل سوق تغيرت قواعدها بسرعة.
وبعد أكثر من عشر سنوات على نهاية الفترة التي سجلت فيها المندوبية خسارة 119 ألف منصب شغل، عاد قطاع النسيج ليحتل موقعا بارزا في الخطاب الصناعي الرسمي.
وزارة الصناعة أعلنت سنة 2025 أن القطاع أصبح يوفر نحو 227 ألفا و460 منصب شغل، ويحقق 45.9 مليار درهم من رقم معاملات التصدير، بالتزامن مع افتتاح استثمارات صناعية جديدة، قبل الإعلان سنة 2026 عن مشاريع إضافية تعد بإحداث آلاف الوظائف.
وهو تطور يعكس قدرة القطاع على استعادة جزء من زخمه وجذب استثمارات جديدة، لكنه لا يغلق حساب المرحلة السابقة.
فإذا كان المغرب قادرا اليوم على استقطاب مصانع جديدة وإعادة تقديم النسيج باعتباره قطاعا صناعيا واعدا، فإن جيل العاملات والعمال الذين حملوا الصناعة خلال سنواتها السابقة ثم شاهدوا عشرات الآلاف من وظائفهم تختفي يظل جزءا من قصة اجتماعية وصناعية لم تحظ بما يكفي من التقييم والمحاسبة.
من خطة حكومة إدريس جطو سنة 2005 إلى الميثاق الصناعي في عهد عباس الفاسي، ثم استمرار نزيف التشغيل خلال السنوات الأولى من حكومة عبد الإله بنكيران، امتدت السياسة العمومية عبر حكومات متعاقبة، بينما انتهى الإحصاء الرسمي إلى تسجيل فقدان 119 ألف منصب شغل بين 2008 و2014.
وبعد نحو عقدين على بداية التحول، يبقى السؤال أبعد من البحث عن مسؤول فردي عن أزمة دولية معقدة، ويتعلق أساسا بمحاسبة السياسة العمومية على نتائجها: ماذا أنقذت خطط التأهيل والإقلاع فعليا، وكم من المقاولات ومناصب الشغل استطاعت الحفاظ عليها، وأين انتهى عشرات الآلاف من العمال والعاملات الذين دفعتهم أزمة القطاع خارج المصانع، بعدما كانت أجورهم تحمل أسرهم وتؤمن مصدر عيشها؟
