وضعت منظمة العفو الدولية، الخميس فاتح أكتوبر 2026، العلاقة بين مراقبة الصحافيين والتشهير بهم في قلب تقرير جديد عن المغرب، عارضة شهادات ومعطيات عن استهداف الحياة الخاصة والاتصالات، وامتداد الضغط إلى أفراد من محيط المستهدفين، ضمن منظومة تقول المنظمة إنها تُستخدم للتضييق على الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنيل من سمعتهم وإسكات أصواتهم.
التقرير، الممتد على 126 صفحة، يسمّي «شوف تيفي» و«برلمان» و«لو360» ضمن منابر إعلامية تقول المنظمة إن حملات تشهير استهدفت حقوقيين وصحافيين نُفذت عبرها في حالات وثقها التحقيق، مستحضراً نشر معلومات خاصة وصور ومقاطع ذات طبيعة حميمة.
وتشدد «أمنستي» على أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من مصدر المعلومات التي كشفتها هذه المنابر، لكنها تعتبر أن طبيعة بعض المواد المنشورة، بما فيها صور حميمة واتصالات خاصة، تثير مخاوف جدية من احتمال أن تكون معلومات جُمعت بواسطة المراقبة قد وصلت، بشكل أو بآخر، إلى فاعلين إعلاميين. ولا يقدم التقرير، مع ذلك، إثباتاً مستقلاً على وجود هذا المسار في كل حالة.
سليمان الريسوني قال للمنظمة إن التشهير به استمر حتى بعد العفو الملكي لسنة 2024، واصفاً واقع المهنة، في ترجمة لمعنى شهادته، بأن المشهد الصحافي في المغرب قاتم وأن الخوف يطبع حياة عدد كبير من المشتغلين في المجال، مؤكداً رغم ذلك عزمه على مواصلة العمل.
وفي حالة عمر الراضي، يورد التقرير شهادة موظف سابق بالمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، معروف بالاسم المستعار «سفير»، قدّم للمنظمة معطيات من داخل منظومة المراقبة، فيما تقول «أمنستي» إنها قارنت جوانب أساسية من شهادته بمصادر مستقلة وأدلة تقنية وشهادات حقوقيين. ويعرض التقرير وسائل مراقبة تتجاوز اختراق الهواتف إلى التسجيل والمراقبة داخل الفضاءات الخاصة.
ووصف الراضي، في حديثه للمنظمة، المنابر التي كانت تهاجمه بأنها أدوات للترهيب، قائلاً إن ظهوره العلني أو نشره تدوينات كان يتبعه، بحسب شهادته، تدقيق في تحركاته وإهانات وحملات تستهدفه.
ويورد التقرير شهادة أخرى للراضي قال فيها إنه وأصدقاءه تعمدوا اختلاق معلومات خلال أحاديث خاصة داخل مطاعم وحانات بعدما راودهم الشك في أنهم مراقبون، قبل أن تظهر، وفق روايته، بعض تلك المعلومات لاحقاً في مواد إعلامية، وهي واقعة قدّمها لتفسير اعتقاده بأن أحاديثه كانت تخضع للمراقبة.
عفاف برناني قالت بدورها إن انتقالها إلى الولايات المتحدة لم يضع حداً لما وصفته بالتشهير بها، بينما يعرض التقرير حالات أخرى لامتداد الضغط إلى نساء مرتبطات بصحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، في سياق تقول المنظمة إن حملات ذات طبيعة جنسية استُخدمت فيه للنيل من السمعة.
وتقول منظمة العفو الدولية إن تحقيقها اعتمد على شهادات لمصادر عملت داخل أجهزة الاستخبارات المغربية، وسجلات ومعطيات مسربة، وأدلة تقنية، ومقابلات مع مستهدفين، إلى جانب تحقيقات أنجزت بالتعاون مع شركاء صحافيين، في محاولة لإعادة تركيب صورة أوسع لمنظومة المراقبة وأساليب عملها.
وأعلنت «أمنستي» أنها راسلت السلطات المغربية قبل نشر التقرير بأربعة أسابيع ولم تتلق رداً، فيما أشارت إلى أن السلطات المغربية سبق أن نفت استخدام برمجيات تجسس ضد المواطنين. ودعت المنظمة السلطات القضائية إلى ضمان تحقيق مستقل وفعال في الحالات المبلغ عنها بشأن المراقبة غير المشروعة.
ولا يعني ما أورده التقرير أن مصدر كل معلومة خاصة ظهرت في الصحافة قد ثبت بصورة قاطعة، ولا أن كل منبر ورد اسمه ثبت قضائياً تلقيه مواد من أجهزة المراقبة. فالمنظمة نفسها تضع هذا القيد داخل خلاصاتها، لكنها تعتبر أن تزامن المراقبة مع ظهور معلومات شديدة الخصوصية في حملات إعلامية يطرح أسئلة جدية تستوجب التحقيق.
هنا تحديداً تكمن حساسية الملف: ليس السؤال فقط من راقب هاتف صحافي أو حياته الخاصة، وإنما أيضاً كيف يمكن أن تنتقل معلومة شديدة الخصوصية من المجال السري إلى الفضاء العام، ومن يملكها، وكيف وصلت إلى النشر، وهل استُعملت فعلاً ضمن حملات تستهدف السمعة والقدرة على الاستمرار في العمل الصحافي؟
أسئلة يطرحها تقرير «أمنستي» بقوة، لكن الإجابة القانونية النهائية عنها تظل رهينة تحقيق مستقل يحدد الوقائع والمسؤوليات والأدلة، بعيداً عن الاتهام المسبق كما عن الاكتفاء بالنفي.
