دخلت مشاركة المغرب في تنظيم كأس العالم 2030 مرحلة جديدة من التجاذب السياسي داخل إسبانيا، بعدما أعلن حزب «فوكس» استعداده للتصويت لصالح مبادرة برلمانية تقدم بها تحالف «سومار»، الشريك في حكومة بيدرو سانشيز، وتطالب الحكومة الإسبانية بالتحرك لمراجعة التنظيم المشترك للمونديال والدفع أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» نحو استبعاد المغرب من الاستضافة إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
الجديد كشفته صحيفة «إلباييس» الإسبانية، اليوم الاثنين 10 غشت 2026، موضحة أن مصادر داخل «فوكس» أكدت أن نواب الحزب الـ32 يتجهون إلى دعم المقترح الذي سجله «سومار» داخل مجلس النواب، في تقاطع سياسي لافت بين تشكيلين يقفان على طرفي نقيض داخل المشهد الحزبي الإسباني.
وتعود المبادرة إلى تداعيات أحداث العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز الماضي، إذ يعتبر «سومار» أن ما وقع يفرض إعادة النظر في الشراكة مع المغرب بشأن مونديال 2030، مطالباً الحكومة الإسبانية بالتحرك من أجل مراجعة نموذج التنظيم المشترك مع الرباط.
وبحسب مضمون النص الذي أوردته الصحيفة الإسبانية، تعتبر مبادرة «سومار» أنه ما دامت هناك شكوك خطيرة بشأن ما وصفته بـ«الاستخدام السياسي للأرواح البشرية»، فإنه لا ينبغي للمغرب، وفق موقف أصحاب المقترح، الاستفادة من المكانة والمكاسب الاقتصادية والشرعية الدولية المرتبطة باستضافة تظاهرة بحجم كأس العالم.
ولا يقف هذا الموقف عند «سومار» و«فوكس»، إذ أعلن حزب «بوديموس» بدوره رفضه استمرار مشاركة المغرب في التنظيم، وهو ما يعني أن دعم هذا التوجه، في حال ثبات المواقف الحالية عند التصويت، قد يجمع 62 نائباً، موزعين بين 26 نائباً لـ«سومار»، و32 نائباً لـ«فوكس»، وأربعة نواب لـ«بوديموس»، بينما لم تعلن باقي الكتل البرلمانية بعد موقفها النهائي بشكل واضح.
وتحمل المفارقة السياسية بعداً إضافياً، لأن «فوكس» تقدم بدوره بمبادرة منفصلة يطالب فيها الحكومة الإسبانية بالتحرك أمام «فيفا» لمراجعة مشاركة المغرب في مونديال 2030 والدفع نحو استبعاده، مستنداً إلى اعتبارات مختلفة ترتبط بما يسميه الحزب «المساس بالسيادة الوطنية» الإسبانية وفقدان الثقة في الرباط بعد أحداث سبتة المحتلة.
وتقول مبادرة «فوكس» إن أحداث 30 و31 يوليوز أضرت، وفق تقييم الحزب، بأسس الثقة والتعاون الضرورية لتنظيم مشترك، كما تثير، بحسب نصها، تساؤلات بشأن قدرة المغرب على تقديم الضمانات اللازمة لتنظيم حدث في حجم كأس العالم، وهي اتهامات ومواقف سياسية صادرة عن الحزب الإسباني وليست خلاصات قضائية أو وقائع مثبتة في حق السلطات المغربية.
غير أن هذا التقاطع لا يعني قيام جبهة سياسية مشتركة بين الطرفين، إذ تشير المعطيات المنشورة إلى أن «سومار» يتجه، في المقابل، إلى التصويت ضد المبادرة المنفصلة التي تقدم بها «فوكس»، ما يجعل نقطة الالتقاء محصورة أساساً في المطالبة بمراجعة مشاركة المغرب في تنظيم مونديال 2030.
ولا تحمل مبادرة «سومار» في حد ذاتها قوة قانون ملزم، باعتبارها مقترحاً غير تشريعي يستعمله البرلمان الإسباني لدعوة الحكومة إلى اتخاذ موقف أو القيام بإجراء محدد، كما أن مدريد لا تملك بشكل منفرد صلاحية إخراج المغرب من مونديال 2030، بعد اعتماد «فيفا» رسمياً المغرب وإسبانيا والبرتغال دولاً مضيفة للبطولة.
ويبقى ما يستطيع البرلمان القيام به سياسياً هو الضغط على الحكومة الإسبانية من أجل التحرك داخل المؤسسات المعنية، وبالخصوص أمام «فيفا»، للمطالبة بمراجعة نموذج التنظيم، ما يمنح التصويت المرتقب وزناً سياسياً بالنظر إلى حساسية الملف ومكانة كأس العالم ضمن العلاقات المغربية الإسبانية.
ومن المنتظر أن يصل المقترح إلى مرحلة التصويت مع بداية الموسم السياسي الجديد خلال شهر شتنبر، دون تحديد موعد نهائي إلى حدود الآن، بينما لم تحسم الأحزاب الكبرى الأخرى موقفها منه، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والحزب الشعبي.
وفي الجهة المقابلة، تتمسك الحكومة الإسبانية إلى حدود الآن بمشروع التنظيم الثلاثي، إذ أكدت وزيرة التعليم والتكوين المهني والرياضة، ميلاغروس تولون، استمرار دعم السلطة التنفيذية لمونديال مشترك بين إسبانيا والمغرب والبرتغال، رغم الخلاف الذي ظهر داخل الائتلاف الحكومي بشأن مشاركة الرباط.
وتأتي هذه المعركة البرلمانية بالتزامن مع استمرار التنافس بشأن المدينة والملعب اللذين سيحتضنان نهائي مونديال 2030، وهو الملف الذي لم تحسمه «فيفا» بعد، وسط تمسك الجانب الإسباني باستضافة المباراة النهائية، في وقت تتجه فيه الأنظار أيضاً إلى المغرب ومشروع ملعب الحسن الثاني الكبير.
وهكذا انتقل الجدل المرتبط بأحداث سبتة المحتلة من ملف الهجرة والأمن والعلاقات الثنائية إلى واحد من أكبر المشاريع الدولية التي تراهن عليها الرباط ومدريد خلال السنوات المقبلة، بعدما أصبح مونديال 2030 نفسه موضوع معركة سياسية داخل البرلمان الإسباني، جمعت عند نقطة واحدة قوى تمتد من أقصى اليمين إلى أحد شركاء بيدرو سانشيز في الحكومة.
