لم يكن حديث الإعلامي توفيق بوعشرين، في حلقة من برنامجه “كلام في السياسة”، مجرد تعليق عابر على تسريبات رقمية منسوبة إلى حساب “جبروت”.
فقد اختار بوعشرين أن يتعامل مع المعطيات المتداولة من زاوية أوسع، تضع علاقة المال بالمسؤولية العمومية تحت مجهر النقاش السياسي والأخلاقي.
القضية، كما عرضها بوعشرين، تتعلق بوثيقة تداولها حساب “جبروت”، قيل إنها تخص شراء وزير التجهيز والماء، نزار بركة، لقطعة أرضية بمنطقة السويسي بالرباط، سنة 2022، بمبلغ يفوق عشرة ملايين درهم، وعلى مساحة تناهز 2098 متراً مربعاً.
هذه المعطيات، في حد ذاتها، لا تكفي لإصدار أحكام نهائية، لكنها، حين ترتبط باسم وزير ورئيس حزب مشارك في الحكومة، تصبح مادة مشروعة للنقاش العمومي، وتفرض توضيحات دقيقة، لا دفاعاً عن الفضول، بل دفاعاً عن حق المواطنين في معرفة حدود العلاقة بين المنصب العام والتصرفات المالية الخاصة.
بوعشرين حرص، في تناوله للموضوع، على عدم تقديم نفسه في موقع القاضي أو جهة الاتهام. لكنه شدد، في المقابل، على وجود أسئلة يعتبرها مشروعة، خصوصاً حين يكون المعني بالأمر مسؤولاً حكومياً يملك سلطة القرار، ويحمل صفة سياسية لا يمكن فصلها عن أي نقاش عمومي حول الشفافية.
أولى هذه الأسئلة، حسب ما جاء في الحلقة، ترتبط بالصفة الواردة في الوثيقة المتداولة. فقد أشار بوعشرين إلى أن نزار بركة قُدّم، حسب مضمون العقد، بصفة “موظف”، رغم أنه كان، في تلك الفترة، وزيراً ورئيساً لحزب سياسي داخل الأغلبية الحكومية.
وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل لغوي بسيط. فالصفة، في مثل هذه العقود، ليست مجرد كلمة عابرة، بل تحمل دلالة سياسية ورمزية. فهل نحن أمام توصيف إداري عادي، أم أمام اختيار يخفف من الحضور السياسي للصفة الوزارية داخل عقد عقاري كبير؟
النقطة الثانية، والأكثر حساسية، تتعلق بطريقة الأداء. فقد تحدث بوعشرين عن غياب إشارة واضحة، حسب قراءته للوثيقة المتداولة، إلى تحويل بنكي أو قرض أو مرجع مالي يوضح مصدر التمويل وطريقة انتقال المبلغ.
ومن هنا طرح السؤال الذي لا يمكن تجاهله في الحياة العامة: من أين جاء التمويل؟ وهل تم التصريح بهذه العملية ضمن قواعد التصريح بالممتلكات؟ وهل الثمن المصرح به ينسجم مع القيمة العقارية الحقيقية لمنطقة مثل السويسي في تلك الفترة؟
غير أن أهمية الحلقة لم تقف عند ملف نزار بركة وحده. فقد ربط بوعشرين هذه الواقعة بسياق أوسع، سبق أن شمل أسماء حكومية أخرى، من بينها فاطمة الزهراء المنصوري، التي وجدت نفسها بدورها في قلب جدل أثارته تسريبات منسوبة إلى حساب “جبروت” حول معاملات عقارية، قبل أن تعلن، حسب ما تداولته منابر إعلامية، لجوءها إلى القضاء.
هنا ينتقل النقاش من الأشخاص إلى المنظومة، فالمسألة لم تعد محصورة في وثيقة، أو عقد، أو اسم بعينه، بل أصبحت مرتبطة بطريقة تدبير الثقة داخل المجال السياسي.
كيف تصل معطيات حساسة عن مسؤولين كبار إلى الرأي العام عبر حسابات مجهولة أو شبه مجهولة؟ ولماذا تظل المؤسسات الحزبية والحكومية، في الغالب، متأخرة في التوضيح أو محاصرة بالصمت؟
الأخطر في كلام بوعشرين أنه وضع هذه الوقائع داخل لحظة سياسية دقيقة، تسبق انتخابات 2026. ففي مرحلة انتخابية، لا يكفي أن تقدم الأحزاب برامج وشعارات.
المواطن، اليوم، يريد أن يعرف أيضاً من يخاطبه، وما علاقة من يطلب ثقته بالمال، والعقار، والمصالح، والتصريح بالممتلكات.
حين تلاحق الأسئلة المالية قادة أحزاب مشاركة في الحكومة، وحين تتحول المعاملات الخاصة إلى مادة يومية للنقاش العمومي، فإن الأزمة لا تبقى أزمة صورة فقط. إنها تصبح أزمة ثقة، وأزمة تفسير، وأزمة قدرة على إقناع الناس بأن السياسة ما زالت قابلة لأن تُمارس بحد أدنى من الوضوح والمسؤولية.
في هذا السياق، تبدو استراتيجية الصمت مكلفة فالمسؤول العمومي لا يملك رفاهية التعامل مع الأسئلة الكبرى كأنها ضجيج عابر.
قد يكون كل شيء قانونياً، وقد تكون الوثائق مجتزأة أو قابلة لتأويلات متعددة، لكن السياسة لا تُدار بالقانون وحده.
السياسة تُدار أيضاً بالثقة، والوضوح، والقدرة على مخاطبة الناس حين تصبح الأسئلة أكبر من البلاغات.
قضية “جبروت” تطرح، اليوم، سؤالاً مؤسساتياً لا ينبغي الهروب منه: هل سنظل ننتظر التسريبات كي نعرف ما يفترض أن يكون واضحاً أصلاً؟ وهل يكفي أن يرد كل مسؤول وحده، أو يصمت وحده، أم أن المغرب يحتاج إلى قواعد أكثر صرامة وشفافية في التصريح بالممتلكات، وتدبير تضارب المصالح، وتفسير الثراء السياسي حين يظهر في محيط السلطة؟
ليست المشكلة في أن يملك وزير عقاراً، ولا في أن تدخل مسؤولة حكومية في معاملة عقارية، ولا في أن يمارس المسؤول حقه كمواطن داخل السوق.
المشكلة تبدأ حين يصبح الموقع العمومي محاطاً بالغموض، وحين لا يجد المواطن جواباً واضحاً عن أسئلة المال والسلطة.
عندها لا تعود التسريبات مجرد أخبار عابرة، بل تتحول إلى مرآة قاسية، يرى فيها المغاربة صورة السياسة وهي تفقد جزءاً من رصيدها الأخلاقي.
وبين “جبروت” الذي ينشر، والمسؤولين الذين يصمتون أو يتأخرون في الرد، يبقى المغرب أمام سؤال أعمق من كل الأسماء: كيف نحمي الحياة السياسية من التحول إلى سوق للوثائق، ومنطق الحسابات، قبل أن تصبح الثقة نفسها ضحية التسريبات؟
