بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن خطاب نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، يوم الجمعة 15 ماي 2026 بمدينة سيدي قاسم، في ذكرى رحيل الزعيم علال الفاسي، مجرد كلمة حزبية عادية، بل جاء محملاً برسائل سياسية واضحة حول معنى الدولة القوية في زمن الغلاء والجفاف والتقلبات الدولية.
بركة ربط قوة الدولة بقدرتها على حماية المواطن في تفاصيل حياته اليومية، لا بالاكتفاء بتفسير الأزمات وتبريرها بعد وقوعها، وهي رسالة مباشرة إلى منهجية تدبير الأزمات التي ظل فيها المواطن يسمع كثيراً عن الجفاف والأسواق الدولية والتوترات الجيوسياسية، بينما ينتظر أثراً ملموساً في الأسعار والقفة وفواتير المعيشة.
أهمية هذا الخطاب لا تأتي فقط من مضمونه، بل من موقع صاحبه، فنزار بركة لا يتحدث من خارج الحكومة، بل من داخل حزب مشارك في التدبير الحكومي، وهذا ما يمنح كلامه ثقلاً سياسياً خاصاً، لأنه يضع الأغلبية أمام سؤال القدرة الشرائية لا بوصفه ملفاً اجتماعياً عادياً، بل كاختبار حقيقي لمصداقية السياسات العمومية.
وحين يتحدث بركة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والمنتجات الأساسية، فهو لا يعزل الغلاء عن الاستقرار الاجتماعي واستقلالية القرار الاقتصادي، بل يعتبر أن اتساع الفقر والضغط على الطبقات الهشة والمتوسطة يمكن أن يضعف الجبهة الداخلية ويجعل المجتمع أكثر عرضة للتوترات والضغوط.
الأكثر لفتاً أن بركة لم يعلّق الأزمة كلها على الخارج، بل تحدث عن المضاربات والامتيازات غير المشروعة، ودعا إلى حماية القدرة الشرائية عبر سياسات عمومية أكثر جرأة، بل أشار إلى إمكانية إحداث شركات متخصصة في شبكة توزيع السلع للحد من تدخل الوسطاء والمضاربين، وهي إشارة تضع مسالك التوزيع في قلب النقاش حول الغلاء.
ومن هذه الزاوية، يصبح مفهوم السيادة الاقتصادية عند بركة مرتبطاً مباشرة بجيب المواطن، لا فقط بالمؤشرات الكبرى أو المشاريع الضخمة، فالسيادة لا تكتمل ببناء الموانئ وجذب الاستثمارات وتطوير الصناعة فقط، بل تكتمل حين يشعر المواطن بأن الدولة قادرة على حمايته من التضخم، ومن المضاربة، ومن كلفة الأزمات الخارجية.
وفي الملف الفلاحي، دعا بركة إلى مراجعة السياسة الفلاحية بإعطاء الأولوية للمنتجات الأساسية، وفي مقدمتها القمح والخضر، مع تثمين الموارد المائية وترشيد استعمال الفرشات المائية، رافضاً أن تبقى الفلاحة الوطنية موجهة أساساً للتصدير قبل ضمان الاكتفاء الذاتي وحاجيات السوق الداخلي.
كما ربط الأمين العام لحزب الاستقلال بين السيادة المائية والطاقية والصناعية والصحية، معتبراً أن المغرب يحتاج إلى تقوية إنتاجه الداخلي، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز المنظومة الصحية، حتى لا تبقى الأزمات الخارجية قادرة على هز حياة المواطن اليومية بهذه السهولة.
خطاب بركة وضع الحكومة أمام مرآة واضحة، فالدولة القوية لا تكسب ثقة المواطن بكثرة الشرح والتبرير، بل بقدرتها على تخفيف كلفة العيش، وضبط الأسواق، وحماية الفئات التي أنهكها الغلاء، لأن المواطن لا ينتظر من الدولة أن تشرح له الأزمة كل يوم، بل ينتظر أن تحميه من ثمنها.
