بقلم: الباز عبدالإله
بينما تنشغل الصالونات السياسية بترتيب التحالفات التقليدية وحسابات ما قبل انتخابات 2026، اختار إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن يوجه أنظار حزبه نحو ساحة أخرى لم تعد تقل تأثيراً عن الميدان: الفضاء الرقمي.
كشفت مصادر إعلامية أن لشكر دعا، عبر مراسلة تنظيمية موجهة إلى كتاب الأقاليم، إلى تعبئة واسعة داخل مختلف الأقاليم والدوائر التشريعية من أجل إنجاح الملتقى الوطني للشبيبة الاتحادية، المرتقب تنظيمه ما بين 21 و24 ماي 2026، مع التشديد على إشراك عشرة شباب عن كل دائرة تشريعية، تتوفر فيهم مواصفات مرتبطة بصناعة المحتوى، والتواصل الرقمي، وتدبير الحملات الانتخابية، والإلمام بالنصوص القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية.
هذا التوجيه لا يبدو مجرد إعداد تنظيمي لملتقى شبابي عادي، بل يعكس تحولاً واضحاً في طريقة تفكير الحزب في المعركة السياسية المقبلة.
فالمناضل الاتحادي المطلوب اليوم لم يعد فقط ذلك الذي يحفظ أدبيات الحزب ويحضر الاجتماعات ويشارك في التجمعات، بل أصبح مطالباً أيضاً بفهم لغة المنصات، وإنتاج الرسائل، والتفاعل السريع مع المزاج العام، دون السقوط في الارتجال أو مخالفة ضوابط القانون الانتخابي.
بهذا المعنى، يدخل الاتحاد الاشتراكي زمن “الوردة 2.0”، حيث لم تعد السياسة تُدار فقط من داخل الفروع والمكاتب والبلاغات، بل كذلك عبر الفيديوهات القصيرة، والتدوينات، والتعليقات، والخطاب المباشر الذي يصل إلى الناخب في هاتفه قبل أن يصل إليه في التجمعات الحزبية.
غير أن السؤال الأعمق يظل قائماً: هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخبة الحزبية، أم أمام محاولة لتوظيف المهارات الرقمية في خدمة تعبئة انتخابية موسمية؟ فاستدعاء الشباب إلى واجهة التواصل لا يكفي وحده لإعادة الثقة، إذا لم يرافقه فتح حقيقي لأبواب القرار داخل الحزب، وتمكين سياسي يجعل الشباب شركاء في صناعة الخطاب والاختيار، لا مجرد أدوات تقنية لترويجه.
وتبدو فكرة تعبئة عشرة شباب في كل دائرة تشريعية أقرب إلى هندسة تنظيمية جديدة تستهدف الحضور المحلي والرقمي في آن واحد. فالحزب يريد شباباً قريبين من الناس، قادرين على قراءة النقاشات اليومية، وتحويل الرسالة السياسية إلى محتوى مفهوم، سريع، ومؤثر. لكنها خطوة ستظل محدودة الأثر إذا بقيت محصورة في منطق الحملة، وانتهى دور هؤلاء الشباب بمجرد انتهاء الاقتراع وتوزيع المقاعد.
قد ينجح الاتحاد الاشتراكي في حشد مئات الهواتف الذكية وآلاف التفاعلات الرقمية، لكن التحدي الأكبر سيظل في المحتوى لا في الوعاء. فالمعركة السياسية لسنة 2026 لن تحسمها جودة الصورة ولا سرعة الانتشار، بل مدى قدرة الخطاب الرقمي على ملامسة جيوب المواطنين وانتظاراتهم اليومية المنهكة.
إن الرهان على المؤثر الرقمي دون تمكينه سياسياً قد يحول “الوردة” إلى مجرد أيقونة جميلة على الشاشات، بينما تظل الجذور بعيدة عن تربة الواقع.
وبين ولادة حزب رقمي يقطع مع البيروقراطية، أو مجرد تحديث إلكتروني لواجهة تنظيمية تقليدية، سيبقى الامتحان الحقيقي في ما إذا كان الحزب سيمنح الشباب موقعاً داخل القرار، لا فقط مكاناً أمام الكاميرا.
