بقلم: عبد الفتاح الحيداوي
إن الحديث عن إصلاح الحياة الحزبية في المغرب لم يعد ترفا فكريا أو نقاشا نخبويا معزولا عن الواقع، بل أصبح ضرورة سياسية ومجتمعية تفرضها التحولات الداخلية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة.
فالأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية اليوم لا ترتبط فقط بتراجع الثقة الشعبية فيها، وإنما تمتد إلى طبيعة الممارسة السياسية نفسها التي تحولت في نظر قطاعات واسعة من المواطنين إلى مجال للمصالح الضيقة والامتيازات بدل أن تكون فضاء للتأطير والمشاركة وصناعة القرار العمومي.
غير أن هذا الواقع، رغم تعقيداته، ليس قدرا محتوما، بل يمكن تجاوزه إذا توفرت إرادة إصلاحية حقيقية تجمع بين الإصلاح القانوني والمؤسساتي والتحول الثقافي داخل المجتمع والأحزاب معاً.
ويظل المدخل الأساسي لأي تحول جدي هو إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للحياة الحزبية، لأن القوانين الحالية رغم ما عرفته من تعديلات، لم تنجح في بناء أحزاب قوية ديمقراطية وقادرة على إنتاج النخب والبرامج.
فالدعم العمومي الذي يخصص للأحزاب تحول في كثير من الأحيان إلى مجرد الية لضمان البقاء التنظيمي أو تمويل الحملات الانتخابية دون أثر حقيقي على جودة الأداء السياسي.
لذلك يصبح من الضروري ربط هذا التمويل بمؤشرات دقيقة تتعلق بالديمقراطية الداخلية والشفافية المالية واحترام دورية المؤتمرات وتجديد القيادات وإشراك النساء والشباب في مواقع القرار.
كما ينبغي أن يوجه جزء مهم من هذا التمويل إلى التكوين السياسي والفكري وإعداد الكفاءات القادرة على التدبير والتواصل وصناعة البرامج، لأن الأحزاب التي لا تستثمر في التأطير والتكوين تتحول تدريجيا إلى هياكل انتخابية موسمية لا تمتلك رؤية ولا مشروعا مجتمعيا واضحا.
ومن جهة أخرى، فإن إصلاح الحياة السياسية يظل مستحيلا دون مواجهة ظاهرة الريع السياسي التي أصبحت أحد أبرز عوامل فقدان الثقة في المؤسسات المنتخبة.
فقد ارتبط العمل السياسي لدى فئات واسعة بالسعي نحو الامتيازات والمصالح الشخصية أكثر من ارتباطه بخدمة الصالح العام، وهو ما ساهم في بروز شبكات الزبونية والتحالفات المبنية على النفوذ والمال.
إن تقليص الامتيازات المرتبطة بالمناصب الانتخابية وربط التعويضات والمكافات بالمردودية الفعلية للمنتخبين يمكن أن يساهم في إعادة الاعتبار للفعل السياسي بوصفه مسؤولية وتكليفاً لا مجرد وسيلة للاغتناء أو تحقيق النفوذ.
كما أن تعزيز اليات الحكامة والشفافية، خاصة عبر رقمنة الصفقات العمومية وتسهيل مراقبتها وتتبعها، سيساعد على الحد من الفساد المحلي ومن شبكات المصالح التي أفسدت جزءا كبيرا من الممارسة الحزبية والانتخابية.
وفي السياق نفسه، تبدو الأحزاب المغربية اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتجديد خطابها السياسي، لأن الخطابات التقليدية القائمة على الشعارات العامة والوعود الفضفاضة لم تعد قادرة على إقناع المواطن الذي أصبح أكثر وعيا وأكثر ارتباطا بالنتائج الملموسة.
فالمواطن لا ينتظر خطابات عاطفية أو صراعات إيديولوجية قديمة، بل يبحث عن حلول حقيقية لمشاكل البطالة والتعليم والصحة وغلاء المعيشة والسكن والعدالة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الأحزاب مطالبة بالانتقال من منطق الشعارات إلى منطق البرامج الدقيقة المبنية على الأرقام والمؤشرات والخطط الزمنية القابلة للتقييم والمحاسبة.
كما أن تطوير أدوات التواصل السياسي المبني على المعطيات والدراسات الواقعية سيجعل الخطاب الحزبي أكثر مصداقية وقدرة على استعادة ثقة الرأي العام.
غير أن أي إصلاح حقيقي سيظل ناقصا إذا استمرت الأحزاب في الانغلاق على نفس النخب والوجوه التي تديرها منذ عقود.
فالشباب المغربي، الذي يمثل الأغلبية الديموغرافية، يشعر في كثير من الأحيان بأن الأحزاب فضاءات مغلقة لا تسمح بالصعود إلا عبر الولاءات والعلاقات الشخصية.
ولذلك فإن تجديد النخب السياسية يقتضي فتح المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة الفعلية في القيادة وصناعة القرار، ليس فقط عبر الشعارات، بل من خلال اليات واضحة تضمن حضور الشباب في القوائم الانتخابية والهياكل التنظيمية والهيئات التقريرية.
كما أن الاستثمار في التكوين السياسي للشباب داخل الأحزاب من شأنه أن يخلق جيلا جديدا أكثر كفاءة وقدرة على فهم التحولات المعاصرة وتدبيرها، لأن أزمة السياسة في جانب منها هي أيضاً أزمة نخب وتجديد فكري.
إلى جانب ذلك، فإن إصلاح الأحزاب لا يمكن أن يتم بمعزل عن توسيع فضاء الحريات العامة، لأن الديمقراطية الحزبية ترتبط عضويا بوجود مجتمع مدني قوي وإعلام حر ونقابات مستقلة قادرة على الرقابة والنقد والضغط.
فالتجارب الديمقراطية عبر العالم أثبتت أن الأحزاب تتطور حين تجد نفسها أمام مجتمع يقظ يراقب أداءها ويحاسبها ويطالبها بالتجديد.
أما في ظل ضعف الفضاء العمومي وتراجع أدوار الوسائط المجتمعية، فإن الأحزاب تميل إلى الانغلاق وإعادة إنتاج نفس الأساليب التقليدية.
لذلك، فإن توسيع حرية التعبير والتنظيم والصحافة لا يعد فقط مطلبا حقوقيا، بل شرطا سياسيا أساسيا لتطوير الحياة الحزبية وتعزيز ثقافة المحاسبة والشفافية.
ويبقى العامل الحاسم في أي مسار إصلاحي هو وجود ضغط مجتمعي واع ومستمر يفرض التغيير ويدفع الأحزاب إلى مراجعة ذاتها. فالتاريخ السياسي يؤكد أن الأحزاب نادرا ما تصلح نفسها تلقائيا، بل غالبا ما يتم ذلك تحت تأثير ضغط الرأي العام والحركات الاجتماعية والنخب الفكرية والإعلام والنقابات.
إن بناء مواطن واعٍ بحقوقه وقادر على التمييز بين الخطاب الجاد والشعارات الفارغة يشكل أساس أي تحول ديمقراطي حقيقي. فحين يصبح الناخب أكثر اهتماما بالبرامج والكفاءة والنزاهة، ستجد الأحزاب نفسها مضطرة للتكيف مع هذا الوعي الجديد.
لذلك فإن إصلاح الحياة الحزبية ليس مسؤولية الأحزاب وحدها، بل هو مشروع مجتمعي شامل يقتضي تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والإعلام والنخب الفكرية والمواطنين من أجل بناء ممارسة سياسية أكثر نزاهة وفعالية وقدرة على الاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي.
