عاد الباحث إدريس الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته، إلى واحد من أكثر الأسئلة حساسية في النقاش العمومي المغربي، وهو سؤال الفجوة بين صورة المؤسسات كما تُقدَّم في الخارج، وأثرها الفعلي كما يلمسه المواطن في الداخل.
التدوينة لم تقف عند نقد مؤسسة بعينها، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، حين وضعت الأصبع على ما يشبه الازدواج في تدبير الصورة العامة، بين واقع داخلي تتزايد فيه شكاوى المواطنين من الزبونية وضعف الإنصاف الاجتماعي وتراجع الثقة في فعالية المؤسسات، وصورة خارجية تُقدَّم للشركاء الدوليين، وخاصة الأوروبيين، باعتبارها واجهة مؤسساتية حديثة ومنظمة ومليئة بالعناوين اللامعة.
جوهر الفكرة التي طرحها الكنبوري أن الدولة، كلما برز خلل كبير في الواقع، واجهته غالباً بإحداث مؤسسة تحمل اسماً قوياً ووظيفة نبيلة، فحين يكثر الحديث عن الفساد والرشوة، تظهر هيئة للنزاهة والوقاية من الرشوة، وحين يشتد النقاش حول الاحتكار وغلاء الأسعار، يوجد مجلس للمنافسة، وحين تتسع شكاوى المواطنين المرتبطة بالحقوق والإنصاف، يحضر المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط.
لكن السؤال الحارق هنا ليس في وجود هذه المؤسسات، ولا في شرعية أدوارها القانونية، بل في المسافة الفاصلة بين الاسم والنتيجة، بين الواجهة والمحاسبة، بين التقرير السنوي والأثر اليومي في حياة المواطن.
فالمغربي العادي لا يحاكم المؤسسات من خلال شعاراتها، ولا من خلال هندستها القانونية، بل من خلال ما تغيّره في حياته، يسأل ببساطة هل تراجعت الرشوة، وهل ضعفت الزبونية، وهل صار الاحتكار أقل تأثيراً على الأسعار، وهل أصبح المواطن أقدر على حماية حقه أمام الإدارة، وهل يشعر الضعيف أن هناك مؤسسة تسمعه فعلاً لا فقط مؤسسة تكتب عنه في تقرير أنيق.
هنا يصبح النقد الذي حملته التدوينة جزءاً من نقاش أوسع حول معنى الدولة الحديثة، فالدولة لا تُقاس فقط بعدد المجالس والهيئات، ولا بجودة العناوين المؤسساتية، بل بقدرتها على تحويل هذه الأدوات إلى سلطة فعلية للإنصاف والرقابة والتوازن.
في الماضي، كان الحديث يدور كثيراً حول ديمقراطية الواجهة، وكان المقصود بها غالباً الانتخابات والأحزاب والمؤسسات التمثيلية حين تتحول إلى شكل بلا مضمون كاف، أما اليوم، فالنقاش يتوسع نحو امتحان آخر للمؤسسات، أي قدرتها على الانتقال من صورة الحكامة المتقدمة إلى أثر ملموس في السوق والإدارة والقضاء والخدمات والحق في الكرامة.
خطورة هذا النقاش أنه لا يهاجم فكرة المؤسسات في حد ذاتها، بل يدافع عنها من زاوية أخرى، لأن المؤسسة حين لا تنتج الثقة، تتحول من حل إلى جزء من الأزمة، وحين لا يشعر المواطن بفعاليتها، تصبح في نظره مجرد اسم جميل فوق بناية رسمية، لا أكثر.
لذلك تبدو تدوينة الكنبوري لافتة لأنها أعادت طرح السؤال بلغة مباشرة، هل نملك مؤسسات تراقب وتصحح وتردع، أم نملك واجهات تمنح الخارج صورة مطمئنة، وتترك الداخل في مواجهة نفس الأعطاب القديمة.
الجواب لا يحتاج إلى خطاب كبير، يحتاج فقط إلى أثر، إلى ملفات تُفتح، إلى اختلالات تُصحح، إلى أسعار تُراقب، إلى شكايات لا تضيع في الممرات، وإلى مسؤولية سياسية وإدارية لا تقف عند حدود البلاغات والتقارير.
فالمؤسسات لا تُصنع كي تبدو الدولة جميلة في عيون الخارج، بل كي يشعر المواطن في الداخل أن القانون ليس ديكوراً، وأن الحكامة ليست كلمة في تقرير، وأن الإنصاف ليس وعداً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.
