لم يكن تصريح محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، من جنيف، مجرد موقف مؤسساتي عابر في ندوة دولية حول الفساد وحقوق الإنسان، بل وضع النقاش في منطقة أكثر حساسية، حين ربط بين الوقاية من الفساد وحماية الكرامة الإنسانية، واعتبر أن المبلغين عن الفساد يمكن النظر إليهم باعتبارهم مدافعين عن الحقوق.
هذا الربط لا يبدو تفصيلاً لغوياً أو توسيعاً نظرياً لمفهوم النزاهة، بل يعكس تحولاً في طريقة فهم الفساد نفسه، إذ لم يعد الفساد مجرد اختلال في التدبير، أو سوء استعمال للسلطة، أو هدر للموارد العمومية، بل أصبح عاملاً يمس الحقوق الأساسية، ويؤثر في الولوج العادل إلى الخدمات، ويضعف ثقة المواطن في المؤسسات.
غير أن أهمية هذا الخطاب القادم من جنيف لا تقف عند حد مضمونه الحقوقي، بل تمتد إلى ما يثيره من أسئلة داخلية حول موقع المبلغ عن الفساد في المنظومة القانونية الوطنية، وحول ما إذا كان الاعتراف به كمدافع عن الحقوق يجد امتداده العملي داخل النصوص والمساطر، أم يظل أقوى في الخطاب منه في الإجراء.
لا يتعلق الأمر بالقول إن المواطن مُنع من تقديم الشكايات أو التنبيه إلى شبهات الفساد، فحق الشكاية لا يزال قائماً من حيث المبدأ، غير أن الإشكال الأكثر دقة يرتبط بما بعد الشكاية، وبمدى قدرة تبليغ المواطن، أو الصحافي، أو الفاعل المدني، على إنتاج أثر قانوني فعلي، خاصة حين يتعلق الأمر بقضايا المال العام.
هنا يعود القانون رقم 03.23، المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية، إلى قلب النقاش، بعدما أثارت مقتضياته المرتبطة بالجرائم الماسة بالمال العام أسئلة واسعة حول مسار تحريك الأبحاث والمتابعات، وحول الجهات المخول لها فتح هذا الباب وفق شروط وإحالات مؤسساتية محددة.
فحين يصبح إجراء الأبحاث وإقامة الدعوى العمومية في الجرائم الماسة بالمال العام مرتبطاً بطلب من رئاسة النيابة العامة، وبناء على إحالات صادرة عن مؤسسات رقابية معينة، فإن النقاش لا يبقى تقنياً صرفاً، بل يتحول إلى إشكال سياسي وحقوقي حول موقع المواطن والمجتمع المدني داخل منظومة حماية المال العام.
هل نحن أمام تنظيم إجرائي يروم ضمان جدية الملفات وحماية المؤسسات والأشخاص من الشكايات الكيدية، أم أمام تضييق عملي على دور الرقابة المجتمعية في كشف الاختلالات المالية؟ وهل يمكن تحقيق التوازن بين ضرورة الجدية في تحريك المساطر، وحق المجتمع في مساءلة تدبير المال العام، دون أن يتحول هذا التوازن إلى حاجز أمام الأصوات التي تنبه إلى الفساد؟
تصريح بنعليلو يكتسب قوته من هذه المفارقة بالذات، ففي الخارج، يرتفع الخطاب إلى مستوى اعتبار المبلغ عن الفساد مدافعاً عن حقوق الإنسان، وفي الداخل، يظل الإشكال قائماً حول ما إذا كان هذا المبلغ يتوفر فعلاً على مسار واضح وفعال يجعل تبليغه قابلاً لإنتاج أثر قانوني، خصوصاً في الملفات التي تهم المال العام.
ولا يمكن عزل هذا النقاش عن طبيعة المال العام نفسه، فالفساد حين يمس الموارد العمومية لا يبقى مجرد رقم ضائع في ميزانية أو صفقة، بل قد يتحول إلى خدمة صحية لا تصل، ومدرسة لا تتحسن، وطريق لا تكتمل، وبرنامج اجتماعي لا يحقق غايته، وفرصة تنمية لا تبلغ مستحقيها.
من هنا يصبح المبلغ عن الفساد، في جوهر المسألة، أكثر من مجرد شخص يقدم معلومة أو شكاية، فهو قد يساهم في التنبيه إلى ضرر جماعي يمس حقوقاً اقتصادية واجتماعية، ويطرح سؤال حدود الاعتراف القانوني بهذا الدور، وحول ما إذا كانت المنظومة تمنحه حماية تتناسب مع الخطاب الذي يصفه بمدافع عن الحقوق.
ثم من يحمي المبلغ نفسه؟ ومن يضمن ألا يتحول من شاهد على اختلال محتمل إلى طرف هش أمام ضغوط إدارية أو اجتماعية أو قضائية؟ ومن يحدد جدية التبليغ، هل مضمون المعطيات المقدمة، أم صفة الجهة التي تحيل الملف، أم قدرة الملف على عبور القنوات المؤسساتية المحددة؟
هذه الأسئلة لا تمس المبلغ وحده، بل تمس الثقة في فكرة النزاهة نفسها، لأن المواطن حين يسمع أن الفساد يمس حقوقه، ثم يكتشف أن تحويل التبليغ إلى مسار بحث في قضايا المال العام يظل محكوماً بقنوات ضيقة، يجد نفسه أمام مسافة واضحة بين الاعتراف النظري بدوره وبين الأثر العملي لهذا الاعتراف.
المفارقة أن المغرب يدافع، عبر مؤسساته، عن تصور متقدم يربط النزاهة بحقوق الإنسان، غير أن هذا التصور يواجه اختباره الحقيقي داخل النصوص والإجراءات، فإذا كان الفساد فعلاً يمس الكرامة والحقوق، فهل يكفي أن تبقى محاربته شأناً مؤسساتياً محصوراً؟ وإذا كان المواطن متضرراً من آثار الفساد، فهل يبقى دوره محدوداً في التبليغ، أم أن موقعه داخل منظومة المساءلة يحتاج إلى وضوح أكبر؟
لا يفتح تصريح رئيس هيئة النزاهة نقاشاً حول حماية المبلغين فقط، بل يفتح إشكالاً أوسع حول معنى النزاهة في الدولة الحديثة، هل هي منظومة تشتغل من داخل المؤسسات وحدها، أم هي أيضاً فضاء عام تشارك فيه الصحافة والمجتمع المدني والمواطنون؟ وهل يمكن الحديث عن الوقاية من الفساد دون حسم العلاقة بين حق التنبيه، وسلطة الإحالة، وإمكانية تحريك المساءلة؟
بين جنيف والرباط، تبدو المسافة أكبر من مجرد اختلاف في اللغة، ففي جنيف، يصبح المبلغ عن الفساد مدافعاً عن حقوق الإنسان، وفي الرباط، يظل النقاش معلقاً حول ما إذا كانت المسطرة الجنائية الوطنية تمنحه موقعاً ينسجم مع هذا الوصف، أم تتركه في منطقة رمادية بين حق الشكاية وضعف الأثر.
لذلك، لا ينبغي قراءة تصريح بنعليلو باعتباره مجرد خطاب دبلوماسي أو حقوقي، بل باعتباره مرآة تعكس سؤالاً داخلياً عميقاً، فإذا كان الفساد انتهاكاً للحقوق، فمن يملك حق فتح بابه أمام القضاء؟ وإذا كان المبلغ عنه مدافعاً عن الإنسان والكرامة، فهل تحميه المنظومة بما يكفي، أم أن الاعتراف به لا يزال أقوى في المنابر الدولية منه في المسارات الإجرائية الوطنية؟
