أعاد بلاغ البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بشأن زيارة نائبه المكلف بالسياسات والشراكات إلى المغرب، النقاش حول الاستثمار الخاص إلى واجهة الأسئلة الاقتصادية الكبرى، بعدما كشف أن حجم استثمارات المؤسسة بالمملكة، منذ سنة 2012، تجاوز 6.2 مليارات يورو عبر 129 مشروعاً، خُصص نحو 68 في المائة منها للقطاع الخاص.
هذا المعطى لا يمكن قراءته باعتباره رقماً مالياً معزولاً، فهو، من جهة، يعكس استمرار حضور المغرب داخل خريطة اهتمام مؤسسة مالية أوروبية كبرى، ومن جهة أخرى، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً حول طبيعة النمو الذي يجري بناؤه داخل البلاد: هل يتعلق الأمر باستثمار دولي يوسع قاعدة الإنتاج والتشغيل، أم بتمويلات كبرى يظل الولوج إليها مرتبطاً أساساً بالفاعلين الأكثر قدرة على التعامل مع شروط الرساميل الدولية؟
زيارة مارك بومان إلى المغرب، خلال الفترة الممتدة من 24 إلى 26 يونيو الجاري، تأتي في لحظة اقتصادية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات الاستثمار الخاص، والتنافسية، والانتقال الأخضر، وتعبئة الرساميل، مع سؤال اجتماعي لا يقل أهمية: كيف يمكن تحويل هذه التمويلات إلى أثر ملموس داخل الاقتصاد الحقيقي وفي حياة المواطنين؟
بلاغ البنك الأوروبي ربط الزيارة بعدد من الملفات الأساسية، من بينها رفع الاستثمارات، وتعزيز التنافسية التي يقودها القطاع الخاص، ودعم النمو الشامل، وتسريع الانتقال الأخضر، ومواكبة الإصلاحات الرامية إلى تعبئة مزيد من الرساميل الخاصة.
هذه المفردات ليست تقنية فقط، إنها تعكس تصوراً اقتصادياً واضحاً يقوم على أن القطاع الخاص ينبغي أن ينتقل من موقع المستفيد من السياسات العمومية إلى موقع الفاعل المحوري في الاستثمار، والتشغيل، والابتكار، والتصدير.
غير أن هذا التصور يفرض سؤالاً مركزياً: أي قطاع خاص يحتاجه المغرب؟ هل يتعلق الأمر بقطاع منتج، متنوع، تنافسي، وقادر على خلق القيمة المضافة، أم بقطاع محدود تتحكم فيه القدرة على الولوج إلى التمويل، والقرب من المشاريع الكبرى، ومعرفة قواعد التعامل مع المؤسسات الدولية؟
المغرب يحتاج، دون شك، إلى قطاع خاص قوي، لكن القوة هنا لا ينبغي أن تقاس فقط بحجم الرساميل أو بعدد المشاريع الممولة، بل بمدى قدرة هذا القطاع على توسيع قاعدة الإنتاج، وخلق مناصب شغل مستقرة، وتقوية المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتوسيع دائرة الاستفادة خارج المجال الضيق للفاعلين الكبار.
فالمواطن لا يقيس النمو بعدد الاتفاقيات، ولا بقيمة التمويلات المعلنة في البلاغات.
المواطن يقيسه بفرصة عمل لائقة، وبكلفة معيشة قابلة للتحمل، وبخدمات عمومية أفضل، وبمقاولات قادرة على الصمود، وبفرص اقتصادية لا تبقى حكراً على من يملكون مفاتيح التمويل والسوق.
من هذه الزاوية، يصبح رقم 6.2 مليارات يورو مدخلاً لمساءلة الأثر قبل الاحتفاء بالحصيلة.
ففي أي قطاعات تركزت هذه الاستثمارات؟ وما نصيب المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة منها؟ وما حجم مساهمتها في التشغيل؟ وهل ساعدت على تقوية قاعدة الإنتاج والتصدير؟ وهل استفادت منها الجهات الأقل حظاً، أم بقيت مرتبطة أساساً بالمشاريع الكبرى والفاعلين الأكثر جاهزية للتعامل مع شروط التمويل الدولي؟
البلاغ يشير كذلك إلى الانتقال الأخضر، وهو ملف استراتيجي بالنسبة للمغرب، خاصة في ظل تموقع البلاد كوجهة واعدة في مجالات الطاقات النظيفة، والصناعة المستدامة، والبنيات التحتية الخضراء.
غير أن الانتقال الأخضر لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان جديد للاستثمار بدون أثر اجتماعي واسع.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق مشاريع كبرى، بل في جعل الاقتصاد الوطني، بمقاولاته المتوسطة والصغيرة، قادراً على الاستفادة من هذه الدينامية، سواء عبر خفض كلفة الإنتاج، أو تحسين التنافسية، أو خلق فرص عمل جديدة، أو إدماج الجهات الأقل استفادة من النمو.
هنا يتحول التمويل الدولي إلى فرصة، لكنه يتحول أيضاً إلى اختبار للحكامة.
فإذا ظل الاستثمار الأخضر محصوراً في المشاريع الكبرى، والبنوك، والفاعلين الأكثر قدرة على احترام شروط التمويل الدولي، فإن الحديث عن النمو الشامل سيبقى غير مكتمل.
أما إذا أصبح هذا التمويل رافعة لتحديث النسيج المقاولاتي، وتقوية الصناعة الوطنية، وتوسيع فرص الشغل، فحينها يمكن القول إن المغرب انتقل من منطق تعبئة الرساميل إلى منطق إنتاج التنمية.
لقاءات مسؤول البنك الأوروبي مع عدد من المسؤولين المغاربة، من بينهم وزير التجهيز والماء نزار بركة، ووزير الصناعة والتجارة رياض مزور، تضع ملفين أساسيين في صلب النقاش: البنية التحتية والصناعة.
هذان الملفان يشكلان جوهر أي نموذج تنموي جاد، فلا يمكن بناء اقتصاد تنافسي دون طرق، وموانئ، وماء، وطاقة، وشبكات قادرة على مواكبة الاستثمار، كما لا يمكن الحديث عن نمو قوي دون قاعدة صناعية تنتج القيمة، وتوسع التصدير، وتخلق فرصاً للمقاولات الوطنية داخل سلاسل الإنتاج.
لكن الرهان لا يقف عند توفير التمويل أو تحسين البنية التحتية. الرهان الحقيقي يكمن في قواعد توزيع الفرص.
فكلما كانت المنافسة واضحة، والولوج إلى التمويل شفافاً، والصفقات قائمة على معايير عادلة، تحول القطاع الخاص إلى قاطرة للنمو.
وكلما غابت هذه الشروط، أصبح الاستثمار نفسه معرضاً لأن يتحول إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفس الفاعلين ونفس الاختلالات.
لذلك، فالمطلوب ليس التشكيك في الاستثمار الخاص، ولا التقليل من أهمية التمويل الدولي.
المطلوب هو ربط هذه التمويلات بسؤال الحكامة والأثر، حتى لا تبقى الأرقام قوية في البلاغات، وضعيفة في انعكاسها على التشغيل، والمجالات الترابية، والمقاولات الصغيرة، والقدرة الشرائية.
كل تمويل دولي يدخل المغرب ينبغي أن يجيب عن أسئلة واضحة: ماذا سيضيف للاقتصاد الوطني؟ كم منصب شغل سيخلق؟ أي قطاعات سيقوي؟ أي جهات ستستفيد؟ وهل سيوسع قاعدة المقاولات القادرة على النمو، أم سيعزز موقع الفاعلين الكبار وحدهم؟
هذه الأسئلة ليست معارضة للاستثمار، بل شرط لإنجاحه. فالمغرب لا يحتاج إلى أقل من الاستثمار الخاص، بل يحتاج إلى استثمار خاص أكثر إنتاجية، وأكثر شفافية، وأكثر ارتباطاً بالأثر الاقتصادي والاجتماعي.
كما يحتاج إلى سياسات عمومية قادرة على التخطيط، والتقنين، والتتبع، وضمان ألا يتحول التمويل الدولي إلى مجرد أرقام كبرى، بل إلى مشاريع قابلة للقياس من حيث التشغيل، والإنتاج، والتنافسية، والعدالة المجالية.
أهمية بلاغ البنك الأوروبي تكمن هنا بالضبط، فهو لا يعلن فقط عن زيارة مسؤول مالي إلى المغرب، ولا يقدم فقط حصيلة استثمارات منذ سنة 2012، بل يضع أمام صناع القرار سؤالاً عميقاً حول طبيعة النمو الذي تريده البلاد.
نمو تقوده الإدارة وحدها لم يعد كافياً، ونمو يترك السوق للكبار وحدهم قد يزيد الفوارق.
أما النمو الذي يحتاجه المغرب، فهو نمو تحكمه قواعد واضحة، ويقوده قطاع خاص منتج، ويدعمه تمويل شفاف، وتراقبه سياسات عمومية قادرة على تحويل الأرقام إلى نتائج.
6.2 مليارات يورو ليست مجرد حصيلة مالية إنها اختبار اقتصادي وسياسي لسؤال أكبر: هل يستطيع المغرب أن يجعل من التمويل الدولي رافعة لنمو شامل ومنتج، أم أن هذه الأموال ستظل تدور داخل نفس الدوائر القادرة على الوصول إلى التمويل، بينما ينتظر المواطن أثر التنمية خارج لغة البلاغات؟
