قال الكاتب والباحث إدريس الكنبوري إن الفساد في المغرب لم يعد مجرد ظاهرة جانبية يمكن مواجهتها ببعض القوانين أو الحملات المؤسساتية، بل تحول، بحسب توصيفه، إلى جزء من بنية المجتمع والدولة، بعدما أصبحت له امتدادات سياسية وإعلامية وثقافية، بل وحتى اجتماعية.
وكتب الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن «الفساد في المغرب صار جزءاً تكوينياً في بنية المجتمع والدولة»، معتبراً أن الأمر تجاوز وجود حالات معزولة أو ممارسات فردية، ليصل إلى وضع باتت فيه للفساد، حسب تعبيره، «سلطة» خاصة به.
وأوضح أن هذه السلطة تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها «سلطة سياسية تمثلها الأحزاب، وسلطة إعلامية يمثلها الإعلام، وسلطة ثقافية يمثلها المثقف المساوم»، مشيراً إلى أن الفساد امتد من أدنى مستويات المجتمع إلى أعلاها، حتى أصبح جزءاً من علاقات يومية يتعايش معها المواطن نفسه، رغم استمراره في الشكوى منها.
وذهب الكنبوري أبعد من ذلك حين اعتبر أن المفارقة الكبرى تظهر عندما يصبح «السياسي الفاسد»، وفق تعبيره، هو نفسه من يعلي صوته ضد الفساد، مؤكداً أن الفجوة بين البرامج الانتخابية للأحزاب وبين السلوك السياسي ليست، في نظره، سوى وجه واحد من أوجه هذا الفساد.
وبحسب الكنبوري، فإن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول محاربة الفساد نفسها إلى خطاب تنتجه المنظومة التي يفترض أنها موضوع للمحاسبة، قائلاً إن «سلطة الفساد هي من تحارب فساد السلطة»، قبل أن يلخص هذه المفارقة بالقول: «حاميها حراميها».
هذا التشخيص يقود، في نظر الكاتب، إلى أزمة أعمق من مجرد وجود اختلالات إدارية أو مالية، لأنها تمس الثقة نفسها بين المجتمع والدولة.
فعندما تختلط، بحسب تعبيره، الحدود بين من يحارب الفساد ومن يستفيد منه، تصبح حتى الإصلاحات التي تقوم بها الدولة محل شك لدى المواطن.
واستشهد الكنبوري بعمليات الهدم الجارية، موضحاً أن الدولة تدرج ما يحدث ضمن مشاريع الإصلاح والتعمير، بينما ينظر إليه المواطنون، وفق طرحه، باعتباره فساداً.
وهنا، بحسب طرحه، لا يعود الخلاف فقط حول القرار، بل ينتقل إلى معنى القرار نفسه.
فالدولة تسمي ما تقوم به «إصلاحاً»، بينما يسميه المواطن «إفساداً»، ما يعني أن أزمة الثقة لم تعد سياسية أو اجتماعية فقط، بل أصبحت أيضاً أزمة لغوية؛ إذ بات كل طرف يستعمل قاموساً مختلفاً لوصف الواقع نفسه.
ويرى الكنبوري أن الصراع بين المواطنين والدولة ينتقل، في هذه الحالة، إلى الحقل اللغوي، مع اتساع الفجوة بين الطرفين، بحيث تصبح للكلمة الواحدة دلالتان متعارضتان تبعاً للجهة التي تستعملها.
ولهذا استحضر الكاتب الآية القرآنية: «لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا»، ليشير إلى أن كلمتين قد تتقاربان في المعنى، لكن استعمالهما قد يحولهما إلى علامتين على اختلاف أعمق بين جماعتين لكل واحدة منهما لغتها الخاصة في توصيف الواقع.
وتطرح تدوينة الكنبوري، في جوهرها، سؤالاً سياسياً بالغ الحساسية: ماذا يحدث عندما يفقد المواطن القدرة على التمييز بين الإصلاح والإفساد، ليس بسبب غياب القوانين، بل بسبب تآكل الثقة في الجهات التي تقدم نفسها باعتبارها حامية للإصلاح؟
فالخطر، وفق هذا التصور، لا يكمن فقط في وجود الفساد، بل في أن يكتسب شرعية اجتماعية وسياسية، وأن تصبح له سلطة قادرة على إعادة إنتاجه، وفي الوقت نفسه رفع شعار محاربته.
وعندها لا يعود السؤال المطروح هو: هل توجد حرب على الفساد؟
بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً:
من يحارب الفساد فعلاً… ومن يستخدم شعار محاربته فيما أصبحت «سلطة الفساد»، بتعبير الكنبوري، جزءاً من المشهد نفسه؟
