بقلم: الباز عبدالإله
أعاد التحاق حميد شباط وأفراد من أسرته بحزب الحركة الشعبية، عشية الانتخابات التشريعية، ملف «الترحال السياسي» إلى الواجهة بقوة، بعدما انتقل الأمين العام السابق لأحد أعرق الأحزاب المغربية من حزب الاستقلال إلى جبهة القوى الديمقراطية، قبل أن يحط الرحال اليوم داخل حزب «السنبلة»، في مسار أثار انتقادات بشأن الحدود الفاصلة بين الاقتناع السياسي والبحث عن المظلة الانتخابية.
وشهد اللقاء التواصلي الذي ترأسه الأمين العام للحركة الشعبية محمد أوزين، أمس الأربعاء بمدينة فاس، استقبالا رسميا لحميد شباط وعدد من أفراد أسرته داخل الحزب، وفي مقدمتهم ابنته ريم شباط، المستقيلة حديثا من مجلس النواب، بعدما كانت قد وصلت إليه باسم جبهة القوى الديمقراطية.
وحسمت الحركة الشعبية في ترشيح ريم شباط وكيلة للائحة عن دائرة فاس الشمالية، في محاولة للاستفادة من الرصيد الانتخابي الذي راكمته أسرة شباط بالعاصمة العلمية، حيث سبق لحميد شباط أن ترأس مجلس مدينة فاس لولايتين متتاليتين، كما ظل برلمانيا عنها لنحو عقدين.
والانتقال الجديد ليس الأول من نوعه في المسار السياسي لشباط، فقد تولى الأمانة العامة لحزب الاستقلال بين سنتي 2012 و2017، قبل أن يغادر الحزب ويلتحق سنة 2021 بجبهة القوى الديمقراطية رفقة أفراد من أسرته، وهي التجربة التي انتهت بدورها بخلافات تنظيمية، قبل أن يظهر اليوم مجددا تحت مظلة الحركة الشعبية.
هذا المشهد دفع علي فاضلي، الباحث في العلوم السياسية وعضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، إلى توجيه انتقاد لاذع لما اعتبره صورة من صور «البؤس السياسي»، متسائلا في تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك: «كيف يتحول شخص من أمين عام لحزب الاستقلال، أعرق حزب في المغرب، وأحد أكبر وأهم الأحزاب في المغرب إلى “لاجئ سياسي” في حزب الحركة الشعبية؟».
وأضاف فاضلي مستحضرا المسار الحزبي لشباط: «قبل هذا فقد انتقل شباط سنة 2021 إلى جبهة القوى الديمقراطية، ونجحت ابنته باسم الحزب، واليوم تنتقل للحركة الشعبية».
لكن انتقاد فاضلي لم يتوقف عند حالة شباط وحدها، بل وسعه إلى ظاهرة الانتقالات الحزبية التي تزداد حدتها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، قائلا: «لم يشهد المغرب في تاريخه “مهازل” الانتقال السياسي كما يجري الآن».
وتابع: «فالغالبية الساحقة من المرشحين لا علاقة لهم بأحزابهم، بل إن الشخص يبيت “يساريا” ويصبح “يمينيا”».
ووصف فاضلي هذه الظاهرة بأنها «بئيسة وتعبر عن انتهازية ولا علاقة لها بالعمل السياسي الجاد»، معتبرا أنها تكشف، بحسب تعبيره، «حقيقة الكائنات الانتخابية التي لا مرجعية ولا التزام لها».
ووضع الباحث في العلوم السياسية المسألة مباشرة أمام سؤال الثقة بين الناخب والفاعل السياسي، متسائلا: «هل يمكن للمغاربة الثقة في أشخاص يغيرون أحزابهم كما يغيرون ملابسهم؟».
وبالنسبة لفاضلي، فإن الانتقال من حزب إلى آخر ليس مرفوضا في حد ذاته، لكنه يفقد معناه السياسي عندما يصبح مرتبطا أساسا بالمقاعد والتزكيات والاستحقاقات الانتخابية، إذ كتب: «الالتزام الحزبي هو شرط العمل السياسي، والانتقال الحزبي أمر متوقع، لكنه يأتي بعد مراجعات فكرية وسياسية تستغرق وقتا، ولا يكون مرتبطا بالمقاعد الانتخابية».
واستحضر فاضلي تجارب مفكرين ومناضلين قاموا بتحولات سياسية وفكرية جذرية، لكنه شدد على أن تلك الانتقالات جاءت، وفق تعبيره، «بعد مراجعات فكرية وسياسية عميقة»، قبل أن يختم موقفه من حالة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال بعبارة حادة: «ما يفعله شباط هو عنوان على البؤس السياسي».
وبالتوازي مع استقطاب عائلة شباط، أعادت الحركة الشعبية إلى واجهة المنافسة الانتخابية أحد أبرز وجوهها التاريخية، امحند العنصر، وزير الداخلية الأسبق والأمين العام السابق للحزب، بعدما تم الإعلان عن ترشيحه وكيلا للائحة بدائرة بولمان خلفا لابنه حسن العنصر.
وتحمل عودة العنصر بدورها دلالة سياسية لافتة، بالنظر إلى أنه سبق أن تحدث عن اعتزاله العمل السياسي بعد مسار امتد لعقود، قبل أن يعود إلى التنافس على دائرة ارتبط اسمه بها منذ تسعينيات القرن الماضي.
كما أعلن الحزب خلال اللقاء نفسه عن ترشيح أمينه العام محمد أوزين بدائرة إفران، إلى جانب مجموعة من الأسماء في دوائر جهة فاس مكناس، في سباق انتخابي يبدو أن استقطاب الشخصيات ذات الرصيد الانتخابي سيكون أحد أبرز عناوينه.
وبين انتقال شباط من «الميزان» إلى «الزيتونة» ثم «السنبلة»، وعودة أسماء مخضرمة إلى واجهة الترشيحات، يعود سؤال فاضلي ليطرح إشكالا يتجاوز الأشخاص إلى بنية العمل الحزبي نفسها: عندما تصبح التزكية أهم من المرجعية، والانتماء قابلا للتغيير مع كل محطة انتخابية، فماذا يتبقى من معنى الالتزام الحزبي ومن قدرة الناخب على التمييز بين البرامج والمشاريع السياسية؟
