لم يحتج الباحث والكاتب إدريس الكنبوري إلى الغوص في مئات صفحات البرامج الانتخابية، ولا إلى فتح دفاتر الحصيلة الحكومية بنداً بنداً، ليصوغ قراءته للمشهد السياسي المغربي بعد انتخابات 2026. وضع فقط خطاب الأحزاب قبل الاقتراع إلى جانب خطابها بعد ظهور النتائج، ثم استدعى سلفادور دالي.
فاللوحة، كما يراها، أصبحت «سوريالية»: أحزاب أمضت خمس سنوات داخل الأغلبية الحكومية تعود، بعد المرور من صناديق الاقتراع، إلى مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة وهي تحمل مجدداً مفردات الإصلاح ومحاربة الفساد وخدمة المواطنين واستكمال الأوراش.
وافتتح الكنبوري تدوينته على صفحته في «فيسبوك» بعبارة تختصر نظرته إلى المشهد كله: «أصبح المغرب بلداً سوريالياً بما في الكلمة من معنى ودون تعبير مجازي، حتى سلفادور دالي لو أراد رسم لوحة سوريالية لن يجد أفضل من أحزاب المغرب».
ولم يحتج الكاتب إلى البحث بعيداً عن مستجدات الساعات الأخيرة لكي يبني مفارقته.
فالمجلس الوطني لحزب الاستقلال صادق، السبت 3 أكتوبر 2026، بالإجماع على مشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، مع تفويض الأمين العام نزار بركة واللجنة التنفيذية مواصلة المفاوضات المتعلقة بتفاصيل هذه المشاركة.
وقبل الحسم في القرار، كان بركة قد عرض أمام أعضاء المجلس الوطني مضمون المشاورات مع فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة، وقال إن التصور المقدم يقوم على تشكيل حكومة سياسية قوية ومنسجمة، مشدداً على أن الحديث عن أداء حكومي في خدمة المواطنين يتقاطع، وفق تقديره، مع البرنامج الانتخابي للاستقلال، وخاصة ما سماه سياسة «صفر تسامح مع الفساد».
هنا تحديداً وجد الكنبوري مادة مفارقته.
فالاستقلال، في قراءته، لا يدخل تجربة حكومية بعد سنوات قضاها خارج السلطة، بل كان واحداً من مكونات الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها. ولذلك اختصر المشهد بعبارة ساخرة: «والأصح أن حزب الاستقلال لم يعلن المشاركة في الحكومة بل البقاء فيها».
الجملة لا تناقش حق الحزب في الاستمرار داخل الأغلبية، بقدر ما تضع تحت المجهر اللغة التي ترافق هذا الاستمرار: حزب شارك في تجربة حكومية لخمس سنوات يدخل المرحلة الجديدة وهو يستحضر مرة أخرى محاربة الفساد وخدمة المواطن والوفاء بالالتزامات.
وهنا يصبح السؤال الذي تتركه سخرية الكنبوري معلقاً أكثر وضوحاً: أين تنتهي مسؤولية الحزب عن حصيلة السنوات الخمس الماضية، وأين يبدأ برنامج الإصلاح الذي يعد به للسنوات المقبلة؟
ولم يكن حزب الاستقلال وحده داخل الصورة التي رسمها الكنبوري.
فالتجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة السابقة، أعلن قبل انعقاد مجلسه الوطني استعداده للمشاركة في الحكومة المقبلة من أجل «استكمال الأوراش والإصلاحات المفتوحة» و«تثمين المكتسبات المحققة والبناء عليها». ثم انتهت الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني، يوم 3 أكتوبر، إلى إعلان الاستعداد للمشاركة وتفويض رئيس الحزب محمد شوكي تدبيرها.
وشوكي نفسه عاد، في كلمته أمام أعضاء المجلس الوطني، إلى السنوات الخمس التي تحمل خلالها الحزب مسؤولية قيادة الحكومة، متحدثاً عن إصلاحات أنجزت في سياق وطني ودولي صعب، وفي الوقت نفسه عن مرحلة جديدة يتعين فيها الإنصات إلى رسالة صناديق الاقتراع واستخلاص الدروس من التراجع الانتخابي.
بالنسبة إلى الكنبوري، هنا تكتمل عناصر اللوحة «السوريالية».
أحزاب كانت في مركز القرار بالأمس، ثم تدخل اليوم مرحلة سياسية جديدة وهي تتحدث مرة أخرى عن الإصلاح الذي ينبغي استكماله، والفساد الذي ينبغي محاربته، والمواطن الذي ينبغي خدمته.
ولشرح الفكرة بأقسى صورة في تدوينته، انتقل الكنبوري من سلفادور دالي إلى قاعة الامتحان، وكتب: «إنها أحزاب تبدو مثل تلميذ خسر في البكالوريا بسبب الإدمان على المخدرات وتضييع فرصة المذاكرة، ويريد أن يتوب لينجح في الدورة الثانية».
التشبيه قاسٍ، لكنه يقود مباشرة إلى الفكرة المركزية في كلامه: الانتخابات، وفق قراءته، لا ينبغي أن تتحول إلى فاصلة تسمح بإغلاق قاموس الحصيلة وفتح قاموس الإصلاح، ثم الانطلاق من جديد وكأن الصفحة السابقة لم تكن موجودة.
ومن هنا يخرج الكنبوري من نقد الاستقلال والأحرار إلى تشخيص أشمل للخطاب الحزبي المغربي.
ويكتب: «ولكن هذا ليس أسلوباً جديداً، فقد جرت العادة في المغرب أن من ينادون بالإصلاح هم المفسدون حقاً، يكفي أن يغيروا لهجتهم لكي ينتقلوا إلى صف الإصلاح، فقد أصبحت البرامج الحزبية لهجة».
وهي عبارة اتهامية حادة تعبر عن موقف صاحبها، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً سياسياً أوسع من الاتهام نفسه: هل بقي البرنامج الحزبي عقداً يمكن الرجوع إليه وقياس نتائجه ومحاسبة أصحابه على أساسه، أم يتحول، مع كل تغيير في الموقع، إلى قاموس جديد؟
حين يكون الحزب في الحكومة، تحضر مفردات «الحصيلة» و«المكتسبات» و«المنجزات».
وحين تنتهي الولاية، تتقدم كلمات «الإصلاح» و«التغيير».
وحين تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة، تعود عبارات «المصلحة العليا للوطن» و«خدمة المواطنين» و«مواصلة الأوراش».
وهكذا لا يعود السؤال، في قراءة الكنبوري، من سيدخل الحكومة ومن سيغادرها فقط، بل ماذا يبقى ثابتاً من الخطاب السياسي حتى يستطيع المواطن أن يحاسب أصحابه عليه؟
فماذا يعني «صفر تسامح مع الفساد» عملياً؟ وما القرارات والنتائج التي يمكن العودة إليها لقياس هذا الالتزام؟
وماذا يعني «استكمال الإصلاحات»؟ ما الذي أُنجز فعلاً؟ وما الذي تعطل؟ وما الذي لم يتحقق؟ وأي جزء من هذه الحصيلة تتحمل مسؤوليته الأحزاب التي شاركت في تدبير الولاية السابقة؟
هذه الأسئلة تقود الكنبوري إلى النقطة الأكثر حساسية في تدوينته: الثقة.
فبعد نقده لما يراه تغيراً سريعاً في القاموس السياسي، انتقل مباشرة إلى المواطن، وسأل بعبارة شديدة الاستفزاز: «هل بقي هناك أحمق يثق في المؤسسات والأحزاب؟ هل هناك أحمق يتهم المواطنين بالتشكيك؟».
والعبارة ليست نتيجة استطلاع للرأي ولا قياساً علمياً لمستوى الثقة في المؤسسات، بل موقف شخصي شديد الحدة من كاتب يرى أن التشكيك لا يولد من فراغ، وإنما يمكن أن يتغذى من اتساع المسافة بين الوعود والممارسة، وبين مسؤولية الأمس وخطاب اليوم.
ومن هنا يصبح جوهر تدوينة الكنبوري أوسع من مشاركة الاستقلال أو الأحرار في الحكومة المقبلة.
إنه سؤال عن الذاكرة السياسية نفسها: هل تبدأ الأحزاب من صفحة بيضاء بعد كل انتخابات، أم أن من يَعِد اليوم بالإصلاح مطالب أولاً بتقديم حساب عما فعله عندما كانت أدوات الإصلاح بين يديه بالأمس؟
ذلك هو الخيط الذي يربط بداية تدوينته بنهايتها.
بدأ الكنبوري بسلفادور دالي ولوحة وصفها بـ«السوريالية»، ثم أنهى كلامه بصورة أكثر قرباً من القاموس الشعبي، وأشد قتامة في تشخيص المشهد:
«داء العطب قديم لن يصلحه العطارون الذين كانوا يدورون في الأسواق ويوزعون أوراق الانتخابات. لا طير يطير ولا وحش يسير».
