لم يتعامل الكاتب إدريس الكنبوري مع الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات باعتبارها مجرد تحيين تجاري جديد لأثمنة البنزين والغازوال، بل نقل النقاش مباشرة إلى قلب العلاقة بين الحكومة والدولة والسوق، وطرح، في تدوينة شديدة اللهجة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، سلسلة أسئلة سياسية تتجاوز عزيز أخنوش نفسه إلى سؤال أكثر حساسية: من يقرر فعلاً عندما يتعلق الأمر بجيب المواطن؟
وجاءت تدوينة الكنبوري بعد دخول زيادة جديدة في أسعار الوقود حيز التنفيذ ابتداء من الخميس فاتح أكتوبر 2026، إذ تحدثت معطيات مهنية عن زيادات تختلف قيمتها قليلاً حسب شركات التوزيع، وتصل إلى حوالي 85 سنتيماً في لتر الغازوال و44 سنتيماً في البنزين، بينما رصدت مصادر أخرى زيادات في حدود 80 و39 سنتيماً على التوالي.
الزيادة دفعت سعر الغازوال إلى تجاوز 16 درهماً للتر في عدد من المحطات، في وقت تشير فيه المعطيات المنشورة إلى أن موجة الارتفاع مستمرة منذ منتصف يوليوز الماضي.
لكن الكنبوري اختار قراءة مختلفة تماماً للحدث، رابطاً بين توقيت الزيادة ونهاية مرحلة أخنوش السياسية، وكتب أن الأمر يتعلق بـ«زيادة جديدة في أسعار المحروقات منذ أمس الخميس كهدية من عزيز أخنوش إلى المغاربة قبل مغادرته».
وأضاف، بلغة أكثر حدة، أن «أخنوش لم يعد لديه ما يخسره بعد اليوم ولا يريد أن يغادر دون ضربة انتقامية من الشعب»، وهي قراءة سياسية يتحمل صاحب التدوينة مسؤولية توصيفها، وليست معطى مثبتاً بشأن دوافع اتخاذ القرار.
وبنى الكنبوري بعد ذلك سيناريو سياسياً ساخراً حول الحكومة المقبلة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، قائلاً إن الحزب «يفرك يديه ابتهاجاً لأن أول خطوة ستتخذها حكومة الجرار بعد تقلد مهامها هي تخفيض أسعار المحروقات لتستقر عند السقف الذي توقفت عنده قبل الزيادة الأخيرة».
ثم لخص رؤيته لما يعتبره طريقة صناعة المشهد بعبارة لافتة: «وهكذا يتم صنع اللعبة في المغرب، البعض يعض والبعض فقط يقرص».
توقيت التدوينة يكتسب بعداً سياسياً إضافياً لأن الملك محمد السادس كان قد عين، يوم 29 شتنبر، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بينما لم تكن الحكومة الجديدة قد استكملت تشكيلها وتسلم مهامها عند نشر التدوينة.
الكنبوري لم يتوقف عند أسعار المحروقات، بل انتقل من السؤال الاقتصادي إلى سؤال السلطة وصناعة القرار، قائلاً: «لا أحد يفهم الوضع السياسي في المغرب، جميع القرارات الحكومية يتم التدخل فيها من خارج الحكومة إلا الأسعار، لأن هدف هذه التدخلات حماية مصالح الدولة لا مصالح المواطنين».
وانطلاقاً من هذه القراءة، طرح الكاتب سلسلة أسئلة مباشرة: «إذا كان الجميع يفهم بأن الحكومة لا تحكم بل تسير فقط فمن يقرر رفع الأسعار؟ وهل الحكومة تقرر فعلاً فيما هو اقتصادي؟ وهل فعلاً أخنوش هو من يتحكم في أسعار السوق أم أنه مجرد منفذ لتعليمات هو أحد المستفيدين منها؟»
الكنبوري واصل رفع سقف الأسئلة قائلاً: «لماذا يتم التدخل في الانتخابات ولا يتم التدخل في الأسعار؟ هل يعقل منطقياً أن تسمح الدولة للحكومات بخلق الاحتقان الاجتماعي أم أنها هي من يقرر؟»
وهنا تحديدا تنتقل التدوينة من مناقشة أسعار المحروقات إلى قراءة سياسية أوسع يقدمها صاحبها لطبيعة توزيع السلطة والمسؤولية في المغرب، بما في ذلك حديثه عن «التدخل في الانتخابات»، وهو طرح سياسي ورد على لسان الكنبوري ولا تقدمه التدوينة، في حد ذاتها، بأدلة مستقلة تثبته.
أما من الناحية الاقتصادية والقانونية، فإن سوق المحروقات في المغرب يشتغل في إطار تحرير الأسعار والمنافسة، بينما يتولى مجلس المنافسة مراقبة عمل السوق وانتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق الداخلية، وقد أعلن المجلس خلال 2026 تشديد مراقبته الشهرية لأسعار الغازوال والبنزين وكلف الشراء وهوامش الشركات، في ظل تعرض المغرب لتقلبات الأسواق الدولية باعتباره مستورداً صافياً للمنتجات النفطية.
وهذا المعطى يجعل السؤال الذي طرحه الكنبوري أكثر تعقيداً من مجرد تحديد اسم مسؤول سياسي واحد: فالسعر النهائي يتداخل فيه سعر الاستيراد وتكاليف التخزين والنقل والضرائب وهوامش الفاعلين التجاريين، بينما تبقى كيفية انتقال انخفاضات وارتفاعات السوق الدولية إلى المضخة موضوعاً للمراقبة والنقاش العمومي.
مجلس المنافسة نفسه كان قد أعلن، في سياق تحقيقاته في القطاع، عن مساطر مرتبطة بممارسات محتملة منافية للمنافسة في أسواق تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين، وهو ما يوضح أن النقاش حول الأسعار والهوامش والمنافسة لا يقتصر على السجال السياسي.
غير أن الكنبوري اختار الذهاب أبعد من ذلك، معتبراً أن المشكلة لا توجد فقط في السعر أو الشركات، بل في الطريقة التي يُفهم بها توزيع المسؤوليات داخل النظام السياسي.
وكتب: «في البلدان المتخلفة التي تكون فيها الانتخابات تحت رحمة الإدارة لا يمكن الفصل بين الحكومات والدولة، هذا الفصل لا يحصل إلا في الدول الديمقراطية. من يظن أن هناك مسافة بين الحكومة والدولة إما أنه يحلم وإما إنه جاهل».
وختم تدوينته بجملة قصيرة لكنها تختزل، بالنسبة إليه، أصل المعضلة كلها: «أصعب عقبة أمام التغيير هي التفسير».
وبين ارتفاع مؤكد في أسعار المحروقات وقراءة سياسية حادة لأسبابه ومسؤولياته، تعيد تدوينة الكنبوري سؤالاً قديماً إلى الواجهة بصيغة أكثر مباشرة: حين ترتفع الأسعار، من يتحمل المسؤولية أمام المواطن؛ الحكومة التي توجد في الواجهة، أم الشركات التي تحدد الأسعار في سوق محررة، أم المؤسسات المكلفة بالمراقبة، أم أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف حدود القرار الاقتصادي ومن يصنعه فعلاً؟
