في سياق يتسم بتنامي النقاش العمومي حول قضايا العنف ضد النساء وحدود المقاربات المعتمدة في معالجته، جاء البيان الصادر عن المائدة المستديرة المنظمة بمقر الحزب الاشتراكي الموحد بتمارة، يوم 20 دجنبر 2025، ليعيد طرح الموضوع من زاوية مختلفة، تتجاوز منطق التشخيص الجزئي أو المعالجة القانونية الضيقة، نحو مقاربة مجتمعية شمولية تعتبر العنف ظاهرة بنيوية مرتبطة باختلالات أعمق داخل المجتمع.
البيان، الذي استند إلى مداخلات علمية ونقاشات مفتوحة، ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن العنف ضد النساء لا يمكن اختزاله في سلوك فردي أو في علاقة ثنائية بين رجل وامرأة، بل هو نتاج علاقات اجتماعية غير متكافئة، تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية والطبقية والثقافية والرمزية والمؤسساتية، وهو طرح يضع العنف في صلب سؤال العدالة الاجتماعية، لا في هامش الأخلاق أو الردع الزجري فقط.
ومن أبرز ما يلفت في هذا البيان سعيه إلى توسيع دائرة النظر في ظاهرة العنف، من خلال ربطها بأوضاع فئات مختلفة من النساء، سواء داخل المغرب أو خارجه.
فالمرأة المغربية، خصوصًا المنتمية إلى الطبقات الفقيرة والوسطى المتآكلة، تُقدَّم باعتبارها الحلقة الأضعف داخل سياق اقتصادي واجتماعي هش، يجعلها أكثر عرضة لمختلف أشكال العنف، سواء المادي أو الرمزي.
كما يربط البيان العنف بالسياق السياسي والاجتماعي، من خلال استحضار وضعية أمهات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، والنساء المنخرطات في الحركات الاجتماعية السلمية، خاصة جيل Z، وما تعرضن له من قمع في محطات احتجاجية متعددة.
ويذهب أبعد من ذلك حين يربط العنف ضد النساء بالسياق الدولي، مستحضرًا معاناة النساء في مناطق النزاع والحروب، والنساء ضحايا التمييز العنصري، بما يعكس تصورًا يعتبر العنف ظاهرة كونية تتخذ أشكالًا متعددة بحسب السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وعلى مستوى التشخيص، يوجّه البيان نقدًا واضحًا للمقاربات التي تختزل مناهضة العنف في بعد أخلاقي أو زجري، أو تلك التي تستورد نماذج نسوية صدامية لا تراعي الخصوصيات التاريخية والثقافية والدينية للمجتمع المغربي.
ويعتبر أن مثل هذه المقاربات تُحوّل معركة الكرامة إلى صراع إيديولوجي وهوياتي، من شأنه إضعاف إمكانيات بناء توافق مجتمعي واسع حول حماية النساء ومناهضة العنف.
وفي هذا الإطار، يتوقف البيان عند مسألة الدين، مؤكدًا أن الإشكال لا يكمن في القيم الدينية في بعدها الإنساني، بل في القراءات الذكورية المحافظة أو في التوظيف الإيديولوجي للنصوص، سواء من طرف السلطة أو التيارات الأصولية، وهو ما يستدعي، بحسب البيان، فتح أفق اجتهادي عقلاني يؤسس لمقاربة قائمة على العدل والإنصاف والمساواة.
ومن بين النقاط اللافتة كذلك، إدراج العنف الرقمي ضمن صلب التشخيص، باعتباره امتدادًا حديثًا للعنف البنيوي، وليس ظاهرة معزولة.
فالبيان يرى أن هذا الشكل من العنف يعكس تحولات عميقة في أنماط السيطرة والهيمنة، ويستدعي سياسات عمومية جديدة تتجاوز منطق الردع إلى منطق الوقاية والحماية والتربية الرقمية.
وعلى المستوى القانوني والمؤسساتي، لا يكتفي البيان بالمطالبة بتطبيق النصوص القائمة، بل يدعو إلى تقييم شامل ومستقل لتجربة تفعيل القانون رقم 103.13، مع مراجعة مقتضياته التي أظهرت محدوديتها، خاصة في ما يتعلق بالحماية الاستباقية، وإثبات العنف، وآليات التبليغ.
كما يبرز إشكالية تشتت المتدخلين، مطالبًا بإقرار آليات تنسيق ملزمة بين القضاء والأمن والصحة والشؤون الاجتماعية والجماعات الترابية، بما يضمن مسارًا متكاملًا لحماية الضحايا، إلى جانب تعميم مراكز الإيواء والمواكبة النفسية والقانونية بتمويل عمومي قار.
اجتماعيًا واقتصاديًا، يربط البيان مناهضة العنف بسياسات التمكين الاقتصادي للنساء، خاصة العاملات في القطاعات الهشة، وربات البيوت، والعاملات غير المصرح بهن، معتبرًا أن الاستقلال الاقتصادي شرط أساسي للخروج من دوائر العنف.
كما يدعو إلى إدماج هذه المقاربة في السياسات العمومية للتشغيل والحماية الاجتماعية والسكن والتعليم، بدل حصرها في برامج قطاعية معزولة ومحدودة الأثر.
أما على المستوى الثقافي والتربوي، فيشدد البيان على ضرورة إصلاح المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي، بهدف تفكيك الصور النمطية والأدوار الجندرية التي تُطبع العنف وتُضفي عليه نوعًا من المشروعية، مع تمكين الإعلام من لعب دور تربوي نقدي ومسؤول، وتشجيع البحث الجامعي وربطه بصناعة القرار العمومي.
وفي خلاصته، يطرح البيان تصورًا بديلًا لمناهضة العنف، يقوم على بناء خطاب مجتمعي جديد لا يشيطن الرجل ولا يستهدف الأسرة، بل يسعى إلى إعادة تأسيس العلاقات داخلها على أسس المشاركة والمسؤولية والعدل والمساواة.
ويؤكد أن مناهضة العنف ضد النساء ليست قضية فئوية أو مطلبًا قطاعيًا، بل معركة ديمقراطية ومجتمعية شاملة، تتطلب انخراط الدولة والمجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمؤسسات التربوية، في أفق بناء مغرب قائم على الكرامة الإنسانية والمساواة.
