بينما تنشغل الحكومة في الرباط بنقاشات الأرقام وتقييم مؤشرات “الدولة الاجتماعية” داخل قاعات الاجتماعات، تجد القصر الكبير نفسها اليوم أمام وضع استثنائي فرضته الفيضانات وارتفاع منسوب المياه، في مشهد يسلّط الضوء على محدودية آليات التدبير الاستباقي للأزمات الكبرى.
فقرار إغلاق المدينة واتخاذ إجراءات واسعة للإجلاء وقطع بعض الخدمات الأساسية لم يعد مجرد إجراء احترازي مؤقت، بل مؤشر واضح على حجم الاختلالات التي راكمتها سنوات من التعاطي الجزئي مع مخاطر معروفة.
ما تعرفه القصر الكبير هو نتيجة تضافر تساقطات مطرية قوية وبلوغ منشآت مائية كبرى مستويات مرتفعة من الامتلاء، ما استدعى عمليات تصريف استثنائية أثّرت بشكل مباشر على مجرى وادي اللوكوس والمجال الحضري المحيط به.
هذه التطورات تطرح تساؤلات مشروعة حول جاهزية البنية التحتية، وحول مدى نجاعة الاستثمارات المخصصة لحماية المدن من الفيضانات، خاصة حين تجد الساكنة نفسها أمام تسربات مائية غير متوقعة واتساع رقعة المناطق المتضررة.
ورغم انخراط السلطات في تأمين عمليات الإجلاء وتوفير وسائل النقل نحو مدن مجاورة، فإن هذا التدبير يظل في جوهره مرحلياً، ولا يقدّم إجابة واضحة حول ما بعد الإخلاء.
فالمواطن الذي غادر منزله اضطراراً ما زال ينتظر رؤية رسمية تضمن له العودة في ظروف آمنة، وتعترف بحقه في التعويض وجبر الأضرار التي لحقت بممتلكاته ومصدر عيشه.
الأكثر إثارة للتساؤل هو استمرار الغموض حول إعلان القصر الكبير “مدينة منكوبة”، رغم المؤشرات الميدانية التي توحي بحجم الخسائر وتعقيد الوضع.
فهذا الإعلان ليس توصيفاً رمزياً، بل إجراء قانوني يتيح تفعيل آليات الدعم والتعويض، وعلى رأسها صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، بما يضمن انتقال التدبير من منطق الاستعجال إلى منطق المعالجة الشاملة.
غير أن هذا القرار ما يزال مؤجلاً، ما يفتح باب النقاش حول أسباب التأخير وتداعياته الاجتماعية.
ومع استمرار الضغط على المنظومة المائية، يزداد منسوب القلق في صفوف الساكنة، خصوصاً في ظل تواصل يعتمد في الغالب على بلاغات تقنية موجزة، دون تقديم صورة متكاملة عن السيناريوهات المحتملة.
هذا الغموض لا يفاقم فقط الشعور بعدم اليقين، بل يضعف الثقة في قدرة التدبير العمومي على مواكبة لحظات الهشاشة الكبرى.
إن ساكنة القصر الكبير لا تطالب بحلول ظرفية أو مبادرات إحسانية، بل بوضوح في القرار ومسؤولية في الاعتراف بحجم ما حدث.
فالإجلاء قد يكون ضرورة لحماية الأرواح، لكن تسمية الأشياء بمسمياتها، والاعتراف الرسمي بالوضع، يظل المدخل الأساسي لضمان الحقوق، وصون الكرامة، وبناء مسار تعافٍ حقيقي يعيد للمدينة نبضها بدل تركها معلّقة في زمن الانتظار.
