في لحظة مشحونة بالتوتر المؤسساتي والمهني، يجد ملف تنظيم مهنة المحاماة في المغرب نفسه في قلب صراع دقيق تتداخل فيه اعتبارات الإصلاح التشريعي مع هواجس الاستقلال المهني.
فقد اختار وزير العدل عبد اللطيف وهبي المضي قدماً في مسار تشريعي مثير للجدل، رافضاً سحب مشروع القانون رقم 66.23 من البرلمان، ومؤكداً أن منطق الدولة ومقتضيات الاختصاص الدستوري للمؤسسة التشريعية لا يسمحان بالعودة إلى نقطة الصفر.
هذا الموقف لم يكن تقنياً فحسب، بل حمل في طياته دلالات سياسية عميقة، إذ نقل الخلاف من مستوى النقاش المهني حول بنود تنظيم المهنة إلى مستوى أوسع يتعلق بإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمهن المنظمة.
فبعد سنوات من الحوار والتشاور، اختارت الحكومة حسم المسار داخل البرلمان، معتبرة أن مرحلة التفاوض قد استنفدت، وأن لحظة القرار التشريعي قد حانت.
التحفظات التي عبّر عنها المحامون تجاه مشروع القانون لا تنطلق فقط من قراءة جزئية لبعض المقتضيات، بل من تخوف عام من أن تؤدي التعديلات المقترحة إلى تقليص هامش التدبير الذاتي الذي راكمته الهيئات المهنية عبر عقود. فتعزيز حضور الإدارة القضائية في مجالات مثل التأديب وتنظيم الولوج إلى المهنة يُنظر إليه، داخل الجسم المهني، باعتباره انتقالاً من نموذج قائم على الاستقلال التنظيمي الواسع إلى نموذج أكثر اندماجاً في منطق الضبط العمومي، وهو تحول يثير أسئلة مشروعة حول التوازن بين النجاعة المؤسساتية وحصانة الدفاع.
ويبرز، في خلفية هذا التوتر، البعد الرقمي والجبائي كعامل حاسم في تأجيج النقاش.
فالرقمنة التي تسوقها وزارة العدل كرافعة للتحديث وتبسيط المساطر، تُقرأ من طرف جزء من المحامين باعتبارها مدخلاً لإرساء آليات تتبع مالي أكثر صرامة، من خلال ربط الإجراءات القضائية بمنصات إلكترونية مركزية.
ورغم وجاهة هذا التوجه من زاوية الحكامة والشفافية، إلا أنه يطرح تحديات اجتماعية داخل المهنة، خصوصاً بالنسبة للمحامين الشباب، الذين يخشون أن تتحول متطلبات الامتثال الرقمي والضريبي إلى عبء إضافي في سياق مهني يتسم أصلاً بضيق الهوامش وتزايد المنافسة.
أما النبرة الصريحة التي اعتمدها وزير العدل، حين عبّر عن استعداده لتحمل كلفة الانتقادات في سبيل تمرير الإصلاح، فتعكس قناعة سياسية مفادها أن الدولة مطالبة اليوم بإعادة ضبط عدد من المهن المرتبطة بمرفق العدالة، انسجاماً مع رهانات النجاعة القضائية وجاذبية الاستثمار.
في المقابل، يشعر المحامون بأن إحالة الملف على البرلمان، في ظل دينامية أغلبية منسجمة مع التوجه الحكومي، قد تقلص من قدرتهم على التأثير في الصيغة النهائية للنص، ما يعمق الإحساس بغياب الشراكة الفعلية.
هذا الوضع يكرس، في العمق، أزمة ثقة مركبة: الدولة تتحدث بلغة التحديث والاستشراف المؤسساتي، فيما يتمسك المحامون بلغة الضمانات والاستقلالية المهنية.
وبين المنطقين، يظل التحدي الحقيقي هو الحفاظ على توازن دقيق لا يُختزل فيه إصلاح العدالة في مقاربة إدارية صرفة، ولا تتحول فيه المهنة إلى فضاء منغلق على التحولات البنيوية التي تعرفها الدولة.
وإذا ما تم تمرير القانون دون إعادة بناء جسور الثقة، فقد تكسب الحكومة رهان السرعة التشريعية، لكنها ستظل مطالبة بإدارة آثار هذا الاختيار على مستوى السلم المهني داخل المحاكم.
وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري في سياق إصلاح العدالة بالمغرب: هل يمكن بناء منظومة قضائية قوية وفعالة دون شعور أحد أعمدتها الأساسية بأنه شريك كامل في صياغة مستقبلها؟
