لم يعد الجدل الذي أثارته حلقة برنامج “ديرها غا زوينة” مجرد نقاش عابر في الفضاء الرقمي، بعدما انتقل من عرض معطيات قُدمت على أساس أنها تستند إلى “وثائق”، إلى ردّ رسمي يحمل إشارات واضحة إلى مسار قانوني محتمل.
الحلقة، التي بثها موقع “برلمان.كوم”، وقدّمتها الصحافية بدرية عط الله، أعادت طرح ملف حساس من خلال سردية تربط بين معطيات متعددة.
وأكدت مقدمة البرنامج أنها تعتمد على وثائق ومعطيات خضعت، بحسب قولها، للتحري، وعُرضت على مختصين قبل النشر.
كما تميزت بنبرة مباشرة تضمنت إشارات إلى أسماء وازنة، وهو ما وسّع دائرة التفاعل والجدل داخل الفضاء الرقمي.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند طبيعة هذه الوثائق أو مصدرها، بل يمتد إلى كيفية تقديمها وتأويلها.
فبين عرض المعطيات كوقائع تحتاج إلى تدقيق مؤسساتي، وتقديمها كاستنتاجات شبه محسومة، يظل الفارق دقيقاً من الناحية القانونية.
في المقابل، اختارت فاطمة الزهراء المنصوري الرد عبر بلاغ نشرته على صفحتها الرسمية بموقع “فيسبوك”، حيث اعتبرت أن المعطيات المتداولة تتضمن ادعاءات “غير دقيقة”، مذكّرة بأنها سبق أن قدّمت توضيحات في الموضوع.
الأبرز في البلاغ لم يكن فقط نفي ما تم تداوله، بل الإعلان الصريح عن التوجه نحو سلوك المساطر القانونية، مع التأكيد على رفع دعاوى ضد الجهة الناشرة، وكذا ضد كل من يثبت تورطه في إعادة نشر نفس المضامين التي تعتبرها مسيئة. وهو ما يضع حدوداً واضحة بين حرية تداول المحتوى الرقمي ومسؤولية إعادة نشره.
هذا التطور يطرح تساؤلات أوسع حول طبيعة الاشتغال الإعلامي في القضايا الحساسة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعطيات يُقال إنها مستندة إلى وثائق من جهة، وبأسماء مسؤولين ومؤسسات من جهة أخرى.
فالتوازن بين حق طرح الأسئلة وواجب التحقق يظل أساسياً لتفادي الانزلاق نحو تأويلات قد تكون محل نزاع قانوني.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش أعمق يتجاوز هذا الملف بعينه، ليلامس طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة.
فكلما طُرحت معطيات حساسة للنقاش العمومي، يعود السؤال حول المسار الأنسب للتفاعل معها: هل تُفتح أبواب التوضيح والتحقيق المؤسساتي، أم يُحال النقاش سريعاً إلى المسار القضائي؟
هذا التوتر يعكس وضعاً دقيقاً، تتحرك فيه الصحافة بين واجب الإخبار وطرح الأسئلة من جهة، ومواجهة تبعات قانونية محتملة من جهة أخرى، وهو ما يجعل حدود الممارسة الإعلامية موضوع اختبار مستمر في سياقات مماثلة.
كما أن لجوء شخصية سياسية إلى منصة رقمية للإعلان عن خطوة قانونية يعكس تحوّلاً في طرق التواصل، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً لإدارة الأزمات وتوجيه الرسائل المباشرة للرأي العام، بالتوازي مع المسارات المؤسساتية.
ويبدو أن هذا الملف دخل مرحلة جديدة، عنوانها انتقال النقاش من التداول الإعلامي إلى أفق المساءلة القانونية، حيث سيبقى الحسم رهيناً بمدى ثبوت المعطيات أو نفيها عبر القنوات المختصة.
