بقلم: الباز عبدالإله
تعثر مشاريع القصر الكبير يعيد طرح سؤال الثقة في الوساطة الترابية وحدود نجاعة قنوات المعالجة المحلية
لم يعد حبر المراسلات التي وجهتها فعاليات مدنية بمدينة القصر الكبير إلى الديوان الملكي مجرد إجراء إداري عادي، بل تحوّل، وفق تعبير عدد من المتتبعين، إلى مؤشر دال على حجم التوتر القائم بين انتظارات الساكنة وإيقاع التدبير المحلي. فحين تختار جمعيات مدنية مخاطبة أعلى سلطة في البلاد، متجاوزة القنوات الترابية المعتادة، فإن الأمر لا يُقرأ فقط كخطوة استثنائية، بل كرسالة ضمنية حول محدودية الأثر الذي تُحدثه آليات الوساطة المؤسساتية في بعض السياقات المحلية.
كشفت مصادر إعلامية اطلعت على مضمون المراسلة أن الهيئات الجمعوية سجلت تأخراً ملحوظاً في إنجاز عدد من المشاريع التنموية الحيوية، التي كانت تُقدَّم في مراحل سابقة باعتبارها رافعة أساسية لإعادة تأهيل النسيج الحضري والاقتصادي للمدينة.
ويتعلق الأمر، بحسب نفس المعطيات، بخمسة أسواق نموذجية وأسواق للقرب، ومجزرة للدواجن، وسوق للسمك، إضافة إلى محطة طرقية، ومرافق ثقافية تشمل دار الثقافة والمركز الثقافي ومكتبتي “حسيصين” و”إدريس الضحاك”، فضلاً عن فضاءات ترفيهية من قبيل حديقة “السلام” ومنتزه “عين عبيد”.
كما تمت الإشارة إلى تعثر مشاريع للبنية التحتية، من بينها تهيئة شوارع حي أولاد حميد، وتأهيل منطقة الأنشطة الصناعية بجماعة قصر ابجير، إلى جانب مشروع منتجع سياحي بطريق تطفت.
هذا التعدد في المشاريع المتعثرة، وتنوع القطاعات التي تهمها، يمنح الملف طابعاً مركباً، حيث تتداخل اختصاصات جماعات ترابية وقطاعات حكومية ومؤسسات عمومية. وفي غياب توضيحات رسمية مفصلة حول أسباب التأخر أو آجال استئناف الأشغال، تتسع دائرة التساؤلات حول مدى نجاعة آليات التنسيق والتتبع، وكذا حدود فعالية منظومة التدبير الترابي في ضمان تنزيل المشاريع داخل الآجال المحددة.
في هذا السياق، يرى عدد من الفاعلين المحليين أن اللجوء إلى مخاطبة الملك لا يعكس بالضرورة قطيعة مع المؤسسات، بقدر ما يعبر عن بحث عن تسريع وتيرة التفاعل مع ملف طال أمده.
فالدستور المغربي يقرّ تعددية قنوات التظلم والترافع، غير أن فعاليتها تظل مرتبطة بقدرتها على تحقيق أثر ملموس في الواقع، خاصة في القضايا المرتبطة بالخدمات الأساسية والبنيات التحتية.
من جهة أخرى، يطرح غياب تواصل مؤسساتي منتظم حول مآل هذه المشاريع إشكالاً إضافياً، إذ يتحول التأخر، في نظر الساكنة، من مجرد معطى تقني إلى عنصر يغذي الإحساس بعدم الوضوح.
وهو ما يدفع بعض الفعاليات إلى اللجوء لأساليب ترافعية بديلة، من قبيل المراسلات واللقاءات التشاورية، في محاولة لإعادة وضع الملف ضمن أولويات النقاش العمومي.
وفي هذا الإطار، تؤكد الهيئات الموقعة على المراسلة، وفق المعطيات المتداولة، أن هذه المشاريع لا تمثل فقط أوراشاً معزولة، بل ترتبط بشكل مباشر بتحسين ظروف العيش، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز البنية الثقافية والاجتماعية للمدينة.
كما دعت إلى فتح تحقيق لتحديد أسباب التعثر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إعادة النظر في أساليب التدبير المعتمدة، بما يضمن استكمال هذه الأوراش في آجال معقولة.
تعكس هذه التطورات نقاشاً أوسع حول موقع الوساطة المؤسساتية داخل منظومة التدبير العمومي: هل ما تزال قادرة على امتصاص الاختلالات ومعالجتها في مستوياتها الأولى، أم أن بعض الملفات أصبحت تتطلب تدخلات على مستويات أعلى لإعادة ضبط الإيقاع؟ سؤال يظل مفتوحاً، في انتظار ما ستسفر عنه تفاعلات هذا الملف، وما إذا كان سيشكل مناسبة لإعادة تقييم طرق تنزيل المشاريع التنموية على المستوى المحلي، بما يعزز الثقة ويقرب المسافة بين القرار والمواطن.
