بقلم: الباز عبدالإله
يتزايد في الآونة الأخيرة النقاش حول مدى اعتماد السياسات العمومية على المؤشرات الرقمية كمعيار رئيسي لتقييم أدائها.
فبينما تقدم التقارير الرسمية صورة إيجابية بشأن تعميم التغطية الصحية وخلق فرص الشغل، يبرز في المقابل واقع ميداني يشير إلى استمرار الضغوط على القدرة الشرائية، خاصة لدى فئات من الطبقة الوسطى.
هذا التباين بين الخطاب الرسمي والمعيش اليومي يطرح تساؤلات حول طبيعة “النمو” المحقق؛ هل يعكس تحسناً فعلياً في حياة المواطنين، أم يظل في حدود المؤشرات المحاسباتية؟
ويمتد هذا النقاش إلى ورش الحماية الاجتماعية، حيث يرى بعض المراقبين أن الانتقال من أنظمة الدعم السابقة إلى آليات الاستهداف عبر “المؤشر الاجتماعي” لم يخلُ من تحديات، من بينها صعوبة إدماج بعض الفئات الهشة ضمن منظومة الاستفادة.
كما يُسجل، وفق متتبعين، أن جزءاً من الموارد المرصودة للقطاع الصحي يواكب توسع حضور القطاع الخاص، وهو ما يعيد طرح سؤال التوازن مع المنظومة العمومية وسبل تعزيزها.
وفي ما يتعلق بنظام “المقاول الذاتي”، الذي قُدم كإطار لدعم المبادرة الفردية، تشير بعض القراءات إلى أنه، رغم إيجابياته، لا يزال يواجه اختلالات على مستوى التطبيق، خاصة في ما يتعلق بالحماية الاجتماعية والاستقرار المهني لبعض المنخرطين.
إن هذا المشهد يضع المؤسسات المنتخبة والهيئات الرقابية أمام دور متجدد، لا يقتصر على مناقشة الأرقام، بل يمتد إلى التقاط الإشارات القادمة من الواقع الميداني.
فتعزيز الثقة يمر عبر القدرة على الربط بين المؤشرات المعلنة والتأثير الفعلي على حياة المواطنين، بما يضمن توازناً أفضل بين متطلبات التدبير وانتظارات المجتمع.
وعلاوة على هذا التباين، يبرز تساؤل مرتبط بما يمكن تسميته بـ“الزمن السياسي” مقابل “الزمن الاجتماعي”؛ فبينما تتجه الحكومة إلى تقديم حصيلة رقمية في أفق الاستحقاقات المقبلة، يبدو أن وتيرة بعض الإصلاحات تفوق قدرة فئات واسعة على التكيف مع تعقيداتها، خاصة في ما يتعلق بالتحول نحو الأنظمة الرقمية.
هذا التفاوت في السرعات قد يحدّ من الأثر الاجتماعي للإصلاحات، إذا لم يُواكب بإجراءات إدماجية تضمن استيعاب مختلف الفئات.
إن وضع هذه المعطيات في سياقها العام، بعيداً عن منطق التبسيط أو التهويل، يكشف عن فجوة في التقدير بين “مغرب الأرقام” و”مغرب الواقع”، وهي فجوة تطرح تحدياً حقيقياً أمام السياسات العمومية في قدرتها على تحقيق أثر ملموس.
فالأرقام، مهما بلغت دقتها، تظل محدودة إذا لم تنعكس بشكل واضح على جودة عيش المواطنين، وتُترجم إلى تحسن فعلي في مجالات الصحة والشغل والقدرة الشرائية.
