بقلم: الباز عبدالإله
أفاد تقرير Knight Frank العالمي للثروة لسنة 2026، الصادر يوم 23 أبريل 2026 ضمن النسخة العشرين من The Wealth Report، بأن عدد الأفراد ذوي الثروات الفائقة في المغرب بلغ 432 شخصاً سنة 2026، مقابل 305 أشخاص سنة 2021، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 41.6 في المائة خلال خمس سنوات فقط.
ويتوقع التقرير أن يصل عدد هذه الفئة إلى حوالي 550 شخصاً بحلول سنة 2031، علماً أن المقصود بذوي الثروات الفائقة هم الأشخاص الذين تتجاوز ثروتهم الصافية 30 مليون دولار.
هذا الرقم لا يمكن التعامل معه كمعطى مالي عابر.
فهو يفتح واحداً من أكثر الأسئلة حساسية في مغرب اليوم: كيف ترتفع الثروات الكبرى بهذه السرعة، في وقت تعيش فيه فئات واسعة من المواطنين تحت ضغط الغلاء، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع كلفة السكن، والتعليم، والتطبيب، والنقل؟
لسنا أمام نقاش ضد الغنى، ولا ضد الاستثمار، ولا ضد نجاح المقاولات.
فكل اقتصاد يحتاج إلى رأسمال قوي، ومبادرين، ومستثمرين قادرين على خلق القيمة وفرص الشغل.
لكن حين ترتفع فئة الأثرياء الكبار بهذه الوتيرة، بينما تشعر الطبقة المتوسطة بأنها تفقد توازنها، يصبح السؤال مشروعاً: من أين تأتي هذه الثروات؟ ومن يستفيد فعلاً من اقتصاد الأزمات؟
هنا يطلّ مفهوم “مغرب السرعتين” بكل ثقله.
مغرب أول تتحرك فيه الثروات بسرعة، تكبر فيه الأصول، تتوسع فيه الأرباح، وتزداد فيه دوائر الثراء.
ومغرب ثانٍ يعيش بإيقاع مختلف تماماً، حيث المواطن يحسب ثمن القفة، ويؤجل العلاج، ويقلّص مصاريف الأبناء، ويحاول فقط أن يحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
بين المغربين لا توجد فقط فجوة دخل، بل فجوة إحساس بالإنصاف.
الثروة حين تأتي من الإنتاج تترك أثراً واضحاً: مصانع، أجور، ضرائب، تشغيل، وتوسيع لقاعدة الطبقة الوسطى.
أما حين تكبر الثروة في الأعلى دون أن يشعر بها المجتمع في الأسفل، فإنها تخلق إحساساً قاسياً بأن الاقتصاد يشتغل بسرعتين: سرعة مريحة لفئة قليلة، وسرعة متعبة لأغلبية تحاول فقط أن تصمد.
لقد تحولت الطبقة المتوسطة، التي كانت لسنوات طويلة عنواناً للاستقرار الاجتماعي، إلى فئة تعيش على توازن هش.
راتب شهري يذهب جزء كبير منه إلى السكن، وجزء آخر إلى المدرسة، وقسط ثالث إلى النقل والفواتير، وما تبقى لا يكفي غالباً لبناء ادخار حقيقي أو مواجهة طارئ صحي أو مهني.
وهنا لا يعود الغلاء مجرد رقم في نشرات الاقتصاد، بل يصبح تجربة يومية داخل البيوت.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين نقرأ معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي أشارت إلى أن الفوارق في مستوى المعيشة اتسعت بين 2014 و2022، حيث ارتفع مؤشر جيني من 39.5 في المائة إلى 40.5 في المائة.
كما تعرض مؤشرات المندوبية نسباً اجتماعية حساسة، منها 3.9 في المائة كمعدل للفقر المطلق سنة 2022، و12.9 في المائة كمعدل للهشاشة.
أما الفئات الفقيرة، فهي لا تعيش الضغط نفسه الذي تعيشه الطبقة المتوسطة، بل تعيش مستوى أكثر قسوة من الهشاشة.
فحين ترتفع كلفة المواد الأساسية أو النقل أو الدواء، لا يتعلق الأمر بتقليص الكماليات، بل بالتنازل عن حاجيات أساسية.
عند هذه الفئات، الغلاء لا يغيّر نمط العيش فقط، بل يهدد الحد الأدنى من الكرامة اليومية.
لهذا، فارتفاع عدد أصحاب الثروات الفائقة إلى 432 شخصاً ليس مشكلة في حد ذاته.
المشكلة تبدأ حين يصبح هذا الرقم معزولاً عن واقع الناس، وحين لا يجد المواطن جواباً واضحاً عن علاقة هذه الثروة بالشغل، والأجور، والضرائب، والخدمات العمومية، وتكافؤ الفرص.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطاب ضد الأغنياء، بل إلى شفافية أكبر حول طبيعة الغنى نفسه.
من يخلق الثروة؟ في أي قطاعات؟ بأي قواعد منافسة؟ وبأي مساهمة في الجباية والتشغيل والتنمية؟ لأن المجتمع لا يغضب من الغنى المنتج، لكنه يتوجس من الغنى الذي يصعد بسرعة بينما المدارس العمومية تتعب، والمستشفيات تختنق، والأسعار تسبق الأجور، والشباب لا يرى طريقاً واضحاً للصعود.
الفرق كبير بين اقتصاد يكافئ العمل والمخاطرة والاستثمار، واقتصاد يسمح بتراكم الثروة في الأعلى بينما تبقى القاعدة الاجتماعية منهكة.
الأول يبني الثقة، والثاني يوسع الإحساس باللاعدالة.
والأخطر من الفقر نفسه هو شعور المواطن بأن الطريق إلى الصعود الاجتماعي لم يعد مفتوحاً بالكفاءة والعمل، بل صار محتاجاً إلى قرب، ونفوذ، وموقع داخل شبكة الفرص.
لذلك، فإن تقرير Knight Frank لا ينبغي أن يُقرأ كخبر عن الأغنياء فقط، بل كمرآة قاسية لسؤال أعمق: لماذا تكبر الثروة بهذه السرعة في القمة، بينما تتراجع قدرة الناس على العيش بكرامة في الوسط والأسفل؟ وهل تتحول الأرباح الكبرى إلى تشغيل واستثمار وضرائب، أم تبقى محصورة في دائرة ضيقة لا يشعر بها المواطن إلا كرقم بعيد؟
المغرب مقبل على استثمارات كبرى، وأوراش بنيوية، ومواعيد دولية، وتحولات اقتصادية مهمة. غير أن نجاح هذه المرحلة لن يقاس فقط بعدد أصحاب الثروات الفائقة، ولا بحجم الرساميل المتحركة، بل بقدرة السياسات العمومية على جعل النمو محسوساً في حياة الناس: في الأجر، والسكن، والصحة، والمدرسة، وفرص العمل، والعدالة الضريبية.
فحين ترتفع الثروة في القمة بسرعة، يجب أن يرتفع معها سؤال الإنصاف بنفس السرعة. لأن الاقتصاد القوي ليس هو الذي ينتج أغنياء أكثر فقط، بل هو الذي يمنع البلاد من التحول إلى “مغربين”: مغرب يراكم الثروة، ومغرب يستهلك صبره اليومي في مواجهة الغلاء.
