بقلم: الباز عبدالإله
وضع تقرير أمريكي صادر عن مركز Stimson Center المغرب ضمن خانة “القوة الوسطى الصاعدة”، معتبراً أن المملكة لم تعد مجرد بلد يقع بين أوروبا وإفريقيا والمتوسط، بل تحولت تدريجياً إلى فاعل إقليمي يستثمر موقعه الجغرافي، وسياسته الصناعية، وشبكة علاقاته الدبلوماسية، من أجل إعادة تموقعه داخل نظام دولي يزداد تنافساً وتعقيداً.
الوثيقة الأمريكية، الصادرة بتاريخ 15 ماي 2026، قرأت التجربة المغربية من زاوية مزدوجة، فمن جهة توقفت عند تقدم المغرب في صناعة السيارات، والطيران، والمعادن الحيوية، والطاقات المتجددة، والتحول نحو اقتصاد ذي قيمة مضافة أعلى، ومن جهة أخرى نبهت إلى أن هذا الصعود يبقى محكوماً باختبارات داخلية ثقيلة، في مقدمتها بطالة الشباب، وندرة المياه، واستمرار الفوارق المجالية.
وبحسب قراءة المركز الأمريكي، فإن المغرب يدخل سنة 2026 وهو يحتل موقعاً استراتيجياً عند تقاطع الفضاء الأطلسي والمتوسطي والساحلي، بعدما انتقل من صورة “الدولة العازلة” التي تُختزل في تدبير الهجرة لفائدة أوروبا، إلى موقع فاعل إقليمي نشيط، قادر على بناء شراكات تجارية وأمنية واستثمارية تمتد بين إفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي.
أهمية التقرير لا تكمن فقط في إشادته بالمغرب، بل في الطريقة التي يربط بها هذه الإشادة بسؤال الاستدامة، فالصعود الصناعي والدبلوماسي، مهما بدا واعداً، لن يكون كافياً وحده إذا لم يتحول إلى تنمية داخلية شاملة، قادرة على خلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق، وحماية الموارد المائية، وتخفيف الضغط عن المناطق الهشة.
وتشير قراءة Stimson Center إلى أن المغرب نجح في فرض نفسه داخل سلاسل القيمة العالمية، خصوصاً عبر صناعة السيارات، والطيران، والمعادن الحيوية، وهي قطاعات جعلت المملكة وجهة مفضلة للاستثمارات الأوروبية والخليجية، خاصة في سياق بحث الغرب عن بدائل قريبة وآمنة لسلاسل التوريد المرتبطة بالصين.
كما توقف التقرير عند موقع المغرب في معادلة المعادن الحيوية وصناعة البطاريات، مبرزاً أن البلاد لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الفوسفاط، بل من زاوية أوسع تشمل الكوبالت، والنحاس، والمنغنيز، ومشاريع مواد البطاريات، وهي مجالات تضع المملكة في قلب التنافس الدولي حول الصناعة الخضراء والسيارات الكهربائية.
لكن الوجه الآخر لهذه الصورة، كما تقدمه الوثيقة الأمريكية، يكمن في أن المغرب يواجه ندرة مائية تاريخية، وضغطاً مناخياً متزايداً، واعتماداً اجتماعياً واقتصادياً واسعاً على قطاعات مرتبطة بالتساقطات والفلاحة، وهو ما يجعل سؤال الماء ليس مجرد ملف تقني، بل أحد مفاتيح مستقبل النموذج التنموي برمته.
وفي البعد الدبلوماسي، يرى التقرير أن ملف الصحراء يظل محوراً مركزياً في السياسة الخارجية المغربية، مع تسجيل مكاسب دبلوماسية مهمة، سواء داخل إفريقيا أو على مستوى المواقف الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي، غير أن التوتر مع الجزائر واستمرار الجمود المغاربي يظلان عاملين ضاغطين على التوازن الإقليمي.
ما تقوله الوثيقة، بلغة مراكز التفكير الأمريكية، هو أن المغرب ربح جزءاً مهماً من معركة الصورة الدولية، وصار يُقدَّم كمنصة صناعية صاعدة، وشريك أمني وطاقي، وجسر بين القارات، غير أن المعركة الأصعب لم تعد فقط في الخارج، بل في الداخل، حيث سيقاس هذا الصعود بقدرته على إنتاج فرص العمل، وتوسيع العدالة المجالية، وضمان الماء، وتحويل النمو إلى كرامة اجتماعية ملموسة.
هنا تكمن الرسالة السياسية الأعمق، فالدول لا تصير “قوى وسطى” فقط بالموانئ والمصانع والاتفاقيات، بل تصير كذلك بقدرتها على جعل المواطن يشعر أن هذا الصعود يعنيه في حياته اليومية، في المدرسة، والشغل، والماء، والصحة، والقدرة على العيش الكريم.
