بينما أعلنت مؤسسة التمويل الدولية IFC موافقتها على قرض جديد يصل إلى 15 مليون دولار لفائدة Fondation Arrawaj de la Finance Inclusive، لدعم القروض الموجهة للمقاولات الصغرى والصغيرة، يعود سؤال اقتصادي حساس إلى الواجهة، كيف تتراكم التمويلات الدولية باسم دعم المقاولات، بينما تواصل آلاف المقاولات الصغيرة جداً السقوط أو العجز عن النمو.
المعطى الجديد لا يتعلق بقرض حكومي مباشر، بل بتمويل موجه إلى مؤسسة للتمويل الأصغر، فقد كشفت بوابة الإفصاح التابعة لـIFC أن مشروع تمويل Arrawaj، المصادق عليه في 6 ماي 2026 والموجود في وضعية Pending Signing، يهم قرضاً بقيمة 15 مليون دولار، موجهاً لإعادة إقراضه لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغيرة، بما فيها المقاولات التي تملكها أو تقودها نساء، مع الإشارة إلى أن Arrawaj تُعد ثالث أكبر جمعية للقروض الصغرى في المغرب، وتخدم حوالي 119 ألف مقاولة صغرى وصغيرة عبر المملكة.
لكن هذا القرض ليس حالة معزولة، بل حلقة جديدة داخل سلسلة طويلة من التمويلات والبرامج التي رفعت، منذ 2021، شعار دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة وخلق فرص الشغل، ففي نونبر 2021، صادق البنك الإفريقي للتنمية على قرض بقيمة 120 مليون أورو للمغرب، في إطار برنامج الشمول المالي ودعم المقاولاتية والمقاولات الصغيرة والمتوسطة من أجل الإنعاش الاقتصادي، بهدف معلن هو دعم الإدماج المالي، ومساندة المقاولات المتعثرة، والحفاظ على مناصب الشغل، وخلق فرص إضافية.
وفي 2023، وافق البنك الدولي على تمويل ثالث بقيمة 450 مليون دولار ضمن سلسلة دعم الشمول المالي والرقمي، بعد تمويل سابق بالقيمة نفسها في يونيو 2021، وهي سلسلة قُدمت باعتبارها آلية لدعم إصلاحات مرتبطة بالشمول المالي، والمقاولاتية الرقمية، وتوسيع الولوج إلى الخدمات المالية والرقمية بالنسبة للأفراد والمقاولات.
وفي أبريل 2026، صادق البنك الدولي أيضاً على حزمة تمويلية جديدة بقيمة 500 مليون دولار لفائدة المغرب، ضمن قرض سياسات التنمية الأول لدعم خلق فرص العمل والنمو الأخضر، وهو تمويل يهم، ضمن محاوره، دينامية المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتحسين بيئة الأعمال، وتحديث إطار معالجة صعوبات المقاولة، وتعزيز آليات ضمان القروض.
أما البنك الإفريقي للتنمية، فقد عاد في 2025 ليصادق على برنامج جديد أكثر ارتباطاً بالمقاولاتية، هو PAFE-Emplois، بقيمة 119 مليون أورو، مخصص لدعم وتمويل المقاولاتية وخلق فرص الشغل، ويستهدف البرنامج دعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، وربط التمويل والضمانات ومنح الاستثمار بنتائج ملموسة في التشغيل، وقد أُطلق رسمياً في الرباط في يناير 2026.
وتضاف إلى ذلك تمويلات قطاعية ذات صلة غير مباشرة بالمقاولات الصغيرة، منها قرض بقيمة 100 مليون أورو صادق عليه البنك الإفريقي للتنمية سنة 2025 لدعم الفلاحة التضامنية الموجهة للنساء والشباب، بما يسمح بخلق فرص اقتصادية في العالم القروي وتقوية صمود الفلاحين الصغار وسلاسل القيمة الفلاحية.
على الورق، تبدو الأرقام كبيرة ومغرية، لكن في الميدان تظهر الصورة أقل تفاؤلاً، فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سجل، في تقريره حول تحديات المقاولات الصغيرة جداً والصغرى، أن برنامج Intelaka لم يتجاوز إلى غاية غشت 2024 حوالي 8,7 مليارات درهم من القروض المصروفة، لفائدة حوالي 32 ألف مستفيد، كما أشار إلى أن برنامج Forsa رافق حوالي 21.200 حامل مشروع خلال نسختي 2022 و2023، وهي أرقام تبقى محدودة أمام حجم الطلب الحقيقي.
هنا تظهر المفارقة الكبرى، التمويل حاضر في العناوين والبلاغات، لكنه لا يصل دائماً بالقوة نفسها إلى القاعدة الواسعة من المقاولات الصغيرة جداً، فحسب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لا تزال تغطية البرامج العمومية محدودة مقارنة بحجم الحاجيات، في وقت يتحدث فيه التقرير عن ملايين من المقاولين القائمين أو المحتملين في حاجة إلى التمويل والمواكبة.
الأخطر أن هذه البرامج لم توقف نزيف التعثر، فقد سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حوالي 15.658 حالة تعثر أو فشل للمقاولات ذات الشخصية المعنوية سنة 2024، 99,3 في المائة منها تخص المقاولات الصغيرة جداً، وأكثر من نصفها لم يتجاوز خمس سنوات من العمر، وهو رقم يكشف أن المشكل لا يرتبط فقط بغياب التمويل، بل بهشاشة النموذج المقاولاتي نفسه.
وتشير معطيات المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى أن أغلب المقاولات الجديدة تظل صغيرة جداً من حيث التشغيل، إذ إن أكثر من 99 في المائة من المقاولات المحدثة سنة 2024 تشغل أقل من عشرة أجراء، كما أن المقاولات التي تشغل أقل من عشرة أجراء تمثل 86,1 في المائة من مجموع المقاولات المصرحة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في 2024.
هذا يعني أن المغرب ينتج عدداً كبيراً من المقاولات الصغيرة، لكنه لا ينجح بالقدر الكافي في تحويلها إلى مقاولات نامية ومنتجة ومندمجة في سلاسل القيمة، فضعف الرأسمال البشري، ومحدودية التدبير، وصعوبة التخطيط، والتأخر الرقمي، والاعتماد على السوق المحلي، وصعوبة الولوج إلى التمويل والأسواق، كلها عوامل تجعل المقاولة الصغيرة قريبة من الهشاشة أكثر مما هي قريبة من النمو.
هنا يبرز السؤال الأهم، أين تذهب القروض فعلاً.
عملياً، أغلب هذه الأموال لا تتحول مباشرة إلى شيكات في يد مول المشروع الصغير، فجزء منها يذهب إلى دعم الميزانية والإصلاحات، كما هو الحال في قروض سياسات التنمية من البنك الدولي، وهي قروض تمول الدولة مقابل تنفيذ إصلاحات في مناخ الأعمال، والشمول المالي، والضمانات، ومعالجة صعوبات المقاولة، والرقمنة، وهي مهمة على مستوى السياسات، لكنها لا تعني أن كل دولار يصل مباشرة إلى مقاولة صغيرة في الحي أو القرية.
وجزء آخر يمر عبر آليات الضمان والمؤسسات الوسيطة مثل Tamwilcom، حيث لا تمنح الدولة أو المؤسسة الدولية القرض مباشرة للمقاول، بل تخلق آلية تخفف المخاطر عن البنك حتى يمول المقاولات، وهذا النموذج يفيد المقاولات القابلة للبنكنة، أي التي تملك ملفات منظمة وقدرة على السداد، لكنه يترك عدداً واسعاً من الحرفيين والتجار الصغار والمقاولين الذاتيين والمشاريع الهشة خارج الدائرة أو على هامشها.
وجزء ثالث يعبر البنوك ومؤسسات التمويل الأصغر، كما في حالة قرض IFC لفائدة Arrawaj، فالقرض هنا سيعاد إقراضه للمقاولات الصغيرة جداً والصغيرة، لكن بشروط المؤسسة الوسيطة وبقدرتها على تدبير المخاطر والتحصيل، لذلك فإن التمويل لا يسقط مباشرة من المؤسسة الدولية إلى المقاول، بل يعبر قناة مالية لها منطقها ومعاييرها وفوائدها وضماناتها.
المفارقة أن مؤسسة التمويل الدولية نفسها تشير، في وثيقة مشروع Arrawaj، إلى أن المقاولات الصغرى والمتوسطة في المغرب تواجه فجوة تمويل تصل إلى 20,4 مليار دولار، وأن صعوبات الولوج إلى التمويل تصبح أكثر حدة بالنسبة للمقاولات التي تملكها نساء.
وهنا يصبح السؤال السياسي مشروعاً، إذا كانت الدولة تقترض باسم المقاولات، والمؤسسات الدولية تضخ التمويلات باسم الشمول المالي، فلماذا لا تزال المقاولة الصغيرة تعيش تحت ضغط الإفلاس.
الجواب لا يمكن اختزاله في الفساد أو سوء النية، لكنه يكشف خللاً واضحاً في سلسلة الوساطة، فالتمويل يمر من المؤسسة الدولية إلى الدولة أو المؤسسة المالية، ثم إلى برامج أو بنوك أو ضمانات، ثم إلى الملفات التي تعتبرها المنظومة قابلة للتمويل، وفي كل مرحلة تضيق الدائرة، وفي النهاية قد يصل المال إلى المقاولات الأكثر تنظيماً أو الأقل خطراً، بينما تبقى المقاولات الأكثر هشاشة خارج الاستفادة، أو تحصل على قرض لا يكفي لإنقاذها من السوق والضرائب والكراء والفواتير والتأخير في الأداء وضعف الطلب.
كما أن المقاولة الصغيرة في المغرب لا تسقط فقط لأنها لا تجد القرض، بل تسقط لأنها تدخل السوق بلا مواكبة كافية، وبلا محاسبة منظمة، وبلا شبكة زبناء مستقرة، وبلا قدرة تفاوضية أمام الموردين أو الأبناك أو الإدارات، وتسقط أيضاً لأنها تتحرك داخل اقتصاد مزدوج، مقاولات كبيرة تستفيد من الأسواق الكبرى وسلاسل القيمة والصفقات، ومقاولات صغرى تدور في هامش السوق، حيث الهشاشة أكبر والربح أضعف والمخاطر أسرع.
لذلك، فإن قروضاً مثل 500 مليون دولار من البنك الدولي، أو 119 مليون أورو من البنك الإفريقي للتنمية، أو 15 مليون دولار من مؤسسة التمويل الدولية لفائدة Arrawaj، لا يمكن الحكم عليها فقط من خلال أرقامها، فالاختبار الحقيقي هو كم مقاولة صغيرة خرجت من الهشاشة، وكم مقاولة انتقلت من البقاء إلى النمو، وكم منصب شغل مستقر خُلق فعلاً، وكم درهم وصل إلى المقاول الصغير، لا إلى الطبقات الوسيطة للبرامج والتقارير.
المشكل أن المغرب لا يعاني فقط من خصاص في التمويل، بل من خصاص في التمويل النافع، والتمويل النافع هو الذي يأتي مع المواكبة، والسوق، وآجال الأداء المحترمة، والتخفيف الإداري، والتكوين، والرقمنة، والولوج إلى الطلب العمومي والخاص، أما القرض وحده، إذا مُنح لمقاولة ضعيفة وسط سوق قاس، فقد يتحول من رافعة للنمو إلى بداية تعثر جديد.
ما تكشفه الأرقام أن الدولة نجحت في جلب التمويل، لكنها لم تنجح بعد في تحويله إلى حماية كافية للنسيج المقاولاتي الصغير، وبين القرض الدولي والمقاولة التي تغلق بابها، توجد سلسلة كاملة من الوسطاء والضمانات والمعايير والأبناك والبرامج والتقييمات، وهناك بالضبط يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي، ليس في حجم المال المعلن، بل في الطريق الذي يسلكه المال، ومن يستفيد منه فعلاً، ومن يبقى خارجه حتى يسقط بصمت.
