لم يكن مرور محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، في برنامج “للحديث بقية” مجرد حلقة سياسية ساخنة، بل بدا امتداداً لسؤال سبق أن انفجر مع إدريس الأزمي الإدريسي، حول حدود الحياد في البرامج الحوارية، وحول الفرق بين الصحافة الحادة التي تسائل الجميع، وبين أسلوب قد يظهر أحياناً كأنه “ترافع” مبطن باسم الأغلبية الحكومية.
فبعد الحلقة التي واجه فيها إدريس الأزمي أسئلة حادة ومقاطعات متكررة، قبل أن يلمح إلى أن النقاش انزاح من مساءلة المعارضة إلى ما يشبه الدفاع عن رئيس الحكومة عزيز أخنوش، عاد المشهد نفسه تقريباً مع محمد أوزين، لكن هذه المرة بعبارات أكثر وضوحاً وإحراجاً، حين قال إن “الحكومة ولات كتحاسب المعارضة”، في جملة اختصرت توتراً عميقاً بين ضيف معارض وبرنامج يفترض أن يقف على مسافة واحدة من الجميع.
أوزين لم يكتف بهذه العبارة، بل ذهب أبعد حين خاطب محاوريه بما معناه أنهم يبدون “بحال امتداد” لهذا المنطق، قبل أن يستعمل تعبير “مكلفين بمهمة”، وهي عبارة ثقيلة في ميزان السياسة والإعلام، لأنها لا تنتقد السؤال فقط، بل تشكك في خلفية الطريقة التي دُبرت بها المواجهة التلفزيونية.
الأكيد أن من حق يوسف بلهيسي أن يسائل أوزين بقوة، ومن حق الأستاذ أمين السعيد أن يواجهه بالأرقام والأسئلة المؤسسية حول حضور الفريق الحركي، وضعف أثر المعارضة، وقانون الإضراب، والديمقراطية الداخلية، والتزكيات، لكن السؤال الذي فرض نفسه هو هل جرى استعمال الحدة نفسها في اتجاه الحكومة، أم أن الحلقة تحولت تدريجياً إلى محاكمة مطولة للمعارضة، بينما ظلت الأغلبية حاضرة كخلفية بعيدة لا كطرف رئيسي في المسؤولية.
في لحظة معينة، بدا أوزين وكأنه لا يدافع فقط عن حزبه، بل يدافع عن موقع المعارضة داخل النقاش العمومي، فحين يقول إن “الحكومة ولات كتحاسب المعارضة”، فهو لا يشتكي من سؤال صعب، بل ينبه إلى قلب الأدوار، حيث يصبح الحزب الموجود خارج السلطة مطالباً بتبرير كل عطب سياسي، بينما الحكومة التي تملك القرار والميزانية والأغلبية تمر من ثقب السؤال دون أن تتحمل الكلفة نفسها.
هنا تكمن قوة الجدل الذي أثارته الحلقة، لأن البرنامج لم يكتف بتفكيك موقف الحركة الشعبية، بل بدا في بعض لحظاته كأنه يطلب من أوزين تقديم أجوبة عن اختلالات لا تملك المعارضة أدوات تنفيذية لمعالجتها، من ضعف التأثير البرلماني إلى فشل ملتمس الرقابة، ومن العالم القروي إلى الاحتجاجات الاجتماعية، وكأن المعارضة مطالبة بأن تنتج الأثر نفسه الذي تملكه الحكومة.
هذا لا يعني أن أوزين فوق المساءلة، ولا أن الحركة الشعبية بلا تناقضات، فالحزب مطالب فعلاً بتفسير تصويته على قانون الإضراب، ومطالب بتوضيح موقعه من إرث الأعيان والتزكيات، ومطالب بإقناع المغاربة بأن معارضته ليست مجرد مرافعات منبرية قوية، بل مشروع سياسي وتنظيمي قابل للقياس، لكن تحويل هذه المساءلة إلى ضغط متواصل قد يمنح الانطباع بأن المعارضة صارت المتهم الأسهل في مشهد تتحكم فيه الأغلبية.
الأمر نفسه ظهر مع إدريس الأزمي، حين شعر جزء من المتابعين أن البرنامج لم يكن يكتفي بمساءلة تجربة العدالة والتنمية، بل بدا كأنه يدفع النقاش نحو حماية الحكومة الحالية من المقارنة المباشرة مع حصيلتها، وهو ما جعل حلقة الأزمي، ثم حلقة أوزين، تلتقيان في نقطة واحدة، ضيفان من المعارضة، مختلفان في المرجعية والمسار، لكنهما خرجا بانطباع متقارب حول طريقة إدارة الحوار.
خطورة هذا الانطباع أنه يمس جوهر الخدمة العمومية، فالإعلام السياسي القوي لا يخيفه السؤال الصعب، لكنه لا يوزع الحدة بشكل انتقائي، ولا يجعل المعارضة في قفص الاتهام بينما يحتفظ للحكومة بموقع الطرف الغائب أو المحمي، لأن الصحافة حين تفقد توازن المسافة، تصبح جزءاً من ميزان القوة، ولو دون إعلان.
لقد حاول بلهيسي الدفاع عن منطق البرنامج، مؤكداً أن دور الإعلام هو مساءلة الجميع، حكومة ومعارضة، وهذا مبدأ لا غبار عليه، غير أن الممارسة هي التي تصنع الانطباع، فحين تتراكم المقاطعات، وتتعاقب الأسئلة الاتهامية، ويجد الضيف نفسه مطالباً بالدفاع عن موقعه بدل مناقشة مسؤولية من يحكم، يصبح الحياد نفسه موضوعاً للنقاش.
من الأزمي إلى أوزين، لم يعد السؤال متعلقاً بشخصية هذا الضيف أو ذاك، بل بات مرتبطاً بصورة برنامج اختار أن يكون حاداً، لكنه وجد نفسه أمام اتهام سياسي غير بسيط، هل يمارس الصحافة الصعبة، أم ينزلق أحياناً إلى ما يشبه الترافع المبطن باسم الأغلبية.
ولعل أقوى ما في حلقة أوزين أنها أخرجت هذا النقاش إلى العلن، لا عبر تحليل خارجي، بل من داخل الحوار نفسه، حين قال الرجل ما يفكر فيه كثيرون بصيغ مختلفة، “ما بقيناش عارفين من يحاسب من”، وهي عبارة قد تكون أصدق توصيف لمأزق النقاش السياسي اليوم، حكومة قوية عددياً، معارضة محاصرة مؤسساتياً، وإعلام مطالب بأن يثبت، كل مرة، أنه لا يخلط بين المساءلة والاصطفاف.
قد يكون “للحديث بقية” نجح في صناعة نقاش ساخن وجاذب، لكنه في المقابل وضع نفسه تحت مجهر الحياد، لأن قوة البرنامج لا تقاس فقط بحدة أسئلته، بل بعدالة توزيع تلك الحدة، فحين يشعر ضيفان متتاليان من المعارضة بأنهما لا يواجهان صحافة تسائل، بل جداراً يدفعهما للدفاع أمام منطق الأغلبية، يصبح النقاش مشروعاً حول طبيعة ما يجري، هل نحن أمام صحافة حادة فعلاً، أم أمام “ترافع” مبطن باسم من يملكون السلطة والقرار.
