فتحت المؤثرة والفاعلة السياسية مايسة سلامة، في شريط بثته على قناتها في يوتيوب، نقاشاً حساساً حول ما وصفته بـ“الأفكار المنسوبة لغير أصحابها”، بعدما تحدثت عن مقترحات قالت إنها قدمتها سابقاً لمسؤولين حكوميين، قبل أن تجد صداها لاحقاً داخل مبادرات رسمية دون تواصل أو اعتراف أو إشراك.
القضية، كما عرضتها سلامة، لا تقف عند حدود خلاف شخصي، بل تطرح سؤالاً أوسع حول طريقة تعامل المؤسسات مع الأفكار القادمة من خارج الدوائر الرسمية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمقترحات مواطنة موثقة بتواريخ ورسائل وفيديوهات يمكن الرجوع إليها عند الحاجة.
وحسب روايتها، تعود الواقعة الأولى إلى سنة 2020، خلال فترة جائحة كورونا، حين كان قطاع الصناعة التقليدية يمر من وضعية صعبة بسبب إغلاق الحدود وتراجع السياحة، حيث قالت إنها فكرت في إنشاء منصة إلكترونية وطنية لتسويق منتجات الصناع التقليديين داخل المغرب وخارجه، عبر جمع السلع وتخزينها وعرضها رقمياً وتمكين الصناع من مداخيلهم بشكل مباشر.
سلامة أوضحت أنها وجهت هذا التصور إلى نادية فتاح العلوي، التي كانت آنذاك مشرفة على قطاع السياحة والصناعة التقليدية، قبل أن تفاجأ لاحقاً، حسب قولها، بإطلاق بوابة رسمية مرتبطة بالصانع التقليدي في مبادرة تم تقديمها إعلامياً بحضور المهنيين، دون أن تتلقى أي جواب أو توضيح بخصوص المقترح الذي قالت إنها قدمته قبل ذلك.
وأضافت سلامة أنها راسلت الوزيرة بعد ذلك برسالة عتاب، معتبرة أن فكرتها استُعملت دون تواصل معها، قبل أن يتم حظرها، وفق روايتها، لكنها فضلت الصمت طيلة السنوات الماضية لأنها رأت أن المصلحة العامة للصناع التقليديين أهم من الدخول في مواجهة شخصية أو إعلامية.
غير أن سلامة اعتبرت أن المشروع، رغم إطلاقه الرسمي، لم يحقق الأثر العملي الذي كانت تنتظره لهذه الفئة، ولم يتحول إلى أداة قوية لتسويق الصناعة التقليدية المغربية في الخارج، كما كانت تتصور في المقترح الأصلي الذي قالت إنها قدمته خلال أزمة كورونا.
الملف الثاني الذي أثارته سلامة يتعلق بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، حيث وجهت كلامها إلى الوزير محمد المهدي بنسعيد، معتبرة أن أفكاراً طرحتها سابقاً ضمن تصور سياسي وانتخابي حول إحياء دور الشباب وجدت طريقها لاحقاً إلى الخطاب الرسمي والمبادرات الوزارية.
وقالت سلامة إنها قدمت تصوراً مفصلاً لتحويل دور الشباب من بنايات مهملة إلى فضاءات حية للتكوين والتأطير والتنشيط، عبر ربطها بالفنانين والموسيقيين والرياضيين والجمعيات والمقاولات، حتى تصبح قريبة من حاجيات الشباب ومن سوق الشغل، لا مجرد مؤسسات جامدة خارج الزمن.
وانتقدت سلامة ما اعتبرته تحويل الأفكار العملية إلى منتديات ولقاءات ذات طابع احتفالي، في وقت ترى فيه أن المطلوب، بحسب تصورها، هو ترميم دور الشباب، وتجهيزها، وفتحها أمام الشباب، واستدعاء الكفاءات المحلية والوطنية لتنشيطها بشكل يومي ومباشر.
هذا النقاش يضع نادية فتاح العلوي ومحمد المهدي بنسعيد، كل من موقعه وحسب الوقائع التي تحدثت عنها سلامة، أمام امتحان التوضيح، فإما تقديم معطيات وتواريخ تثبت أن هذه المشاريع كانت مبرمجة قبل مقترحاتها، وإما الاعتراف بأن الأفكار المواطنة قد تساهم فعلاً في صياغة السياسات العمومية، مع ما يقتضيه ذلك من إنصاف معنوي لأصحابها.
الأهم في هذا الملف ليس فقط من سبق إلى الفكرة، بل كيف يمكن للدولة أن تحمي الثقة مع المواطنين الذين يقترحون حلولاً من خارج المؤسسات، لأن غياب آلية واضحة لتلقي المقترحات وتوثيقها وتتبع مصيرها يترك الباب مفتوحاً أمام سوء الفهم، وربما أمام شعور كثيرين بأن أفكارهم تنتهي عند المسؤول وتعود إليهم لاحقاً في شكل برنامج رسمي بلا اسم ولا أثر.
في انتظار رد أو توضيح من المعنيين، تبقى رواية مايسة سلامة مطروحة في الفضاء العام، بين حقها في طرح الأسئلة وحق الوزراء في الرد بالحجج والمعطيات، لكن المؤكد أن الأفكار في السياسة لم تعد تفصيلاً هامشياً، بل أصبحت جزءاً من الثقة العامة، ومن غير الصحي أن يشعر المواطن بأن مساهمته تبدأ كاقتراح وتنتهي كتصفيق رسمي لغيره.
