بقلم: الباز عبدالإله
أعاد الكاتب والمحلل السياسي إدريس الكنبوري فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في النقاش العمومي المغربي، وهو سؤال المال العام حين يتحول من أداة لخدمة المواطن إلى شبكة امتيازات موزعة بين أحزاب ومنتخبين ومقربين وجمعيات وصناع محتوى، في مشهد سياسي يبدو فيه أن منطق “الأخذ” لا ينفصل دائماً عن منطق “العطاء”.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، ربط الكنبوري بين ما قال إنها افتحاصات تجريها وزارة الداخلية لعدد من “الدراسات” المنجزة من طرف عمالات وأقاليم خلال السنتين الأخيرتين، وبين فضائح أوسع مرتبطة بتمويل الأحزاب والدراسات السياسية والجماعية، معتبراً أن الملف لا يتعلق فقط بمبالغ صُرفت، بل بمنظومة كاملة تسمح بصرف المال العام وإعادة تدويره تحت عناوين تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تطرح أسئلة سياسية ومالية عميقة.
وتستمد التدوينة قوتها من انتقالها من الواقعة إلى البنية، فالكنبوري لم يتوقف عند مثال عمدة فاس وما أثير حول تخصيص 1.5 مليار سنتيم لدراسة قيل إن موضوعها سبق أن أُنجزت بشأنه دراسة سابقة، بل وضع المثال داخل خريطة أوسع عنوانها كيف تتحول “الدراسة” في بعض الحالات إلى قناة مريحة لصرف المال العام بدل أن تكون أداة للتخطيط والتقييم والمردودية.
هذا النقاش يجد سنده في ذاكرة قريبة، بعدما نشر المجلس الأعلى للحسابات، يوم 28 فبراير 2024، تقريره حول تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022، بما في ذلك النفقات المرتبطة بالمهام والدراسات والأبحاث الممولة بالدعم الإضافي، وهو التقرير الذي سجل ملاحظات لافتة بخصوص تبرير بعض النفقات وإرجاع مبالغ دعم غير مبررة إلى الخزينة.
غير أن زاوية الكنبوري تذهب أبعد من محاسبة الأحزاب على أوراق ناقصة أو دراسات ضعيفة أو نفقات غير مبررة، لأنها تضع طريقة توزيع المال العمومي نفسها أمام سؤال المسؤولية السياسية، فحين تمول الدولة الأحزاب، ثم تضع المال العام بين أيدي نفس الفاعلين بعد الانتخابات، ثم تكتفي أحياناً بمحاسبة الحلقات الأضعف، يصبح الخلل، وفق هذه القراءة، أعمق من حالة فساد معزولة أو منتخب أخطأ في التقدير.
القضية هنا لا تتعلق فقط بمن أخذ، بل بمن مدّ المائدة أصلاً.
بهذه العبارة غير المباشرة، يفتح الكنبوري نقاشاً شديد الحساسية حول ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد القرب من القرار”، حيث لا تمر الامتيازات دائماً عبر الصفقات الكبرى وحدها، بل أحياناً عبر دعم حزبي، أو دراسة، أو جمعية، أو حملة تواصل، أو محتوى رقمي، أو مؤسسة لا يعرف المواطن أثرها الحقيقي، لكنها تعرف جيداً طريقها إلى المال العام.
وفي قلب هذه القراءة يعود سؤال “أين الثروة؟” بصيغة أكثر إزعاجاً، فالثروة ليست غائبة بالضرورة، بل قد تكون موجودة وموزعة، لكن خارج منطق العدالة والشفافية والمردودية، المواطن لا يرى أثرها في المدرسة والمستشفى والنقل والشغل، لكنه يسمع أرقامها في التقارير والميزانيات والدراسات والدعم والبرامج.
الأخطر في تدوينة الكنبوري أنها لا تهاجم آلية بعينها فقط، بل تضرب في عمق العلاقة بين السياسة والمال، فالأحزاب التي يفترض أن تنتج الأفكار وتؤطر المواطنين وتقدم البدائل، تتحول في بعض الحالات إلى موضوع مساءلة حول جودة دراساتها وكيفية صرف دعمها، والمنتخبون الذين يفترض أن يحرسوا المال المحلي يتحول بعضهم إلى مادة للافتحاص، والجمعيات التي يفترض أن تتحرك في خدمة المجتمع تصبح عند جزء من الرأي العام عنواناً للريع الناعم.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كم صُرف، بل ماذا أنتج هذا الصرف.
فالدولة التي تمول الدراسات تحتاج إلى أن تسأل عن أثرها قبل فواتيرها، والدولة التي تمول الأحزاب تحتاج إلى أن تسأل عن جودة الديمقراطية التي تنتجها، والدولة التي تمول الجمعيات والمبادرات تحتاج إلى أن تسأل عن القيمة العمومية الملموسة، لا عن صور اللقاءات وتقارير الأنشطة الجاهزة.
من هذه الزاوية، تبدو تدوينة الكنبوري محاولة لإخراج النقاش من مربع الفضائح المتفرقة إلى مربع “ديوان العطاء” نفسه، ذلك الديوان غير المعلن الذي يقرر من يستفيد، ومن يقترب، ومن يُمنح، ومن يُحمى، ومن يُترك للمحاسبة حين تهب عاصفة الغضب.
والرسالة الأقوى في التدوينة أن محاربة تبديد المال العام لا تبدأ فقط من ملاحقة من أخذ، بل من مساءلة من أعطى، ومن سمح، ومن وقع، ومن أغلق عينيه، ومن جعل من المال العمومي وسيلة لضبط السياسة بدل أن يكون أداة لبناء الثقة.
في النهاية، لا تبدو “الدراسات” مجرد أوراق تقنية فوق رفوف الجماعات والمؤسسات، بل قد تتحول، حين تغيب الشفافية، إلى مرآة لمرض أعمق في تدبير الثروة العمومية، مرض يجعل المواطن يمول الجميع، ثم يبقى آخر من يستفيد.
