بقلم: الباز عبدالإله
صارت الإفصاحات البورصية القادمة من لندن وضواحيها أشبه بنشرات طقس استثماري تفصل في ثروات المغرب تحت الأرض، قبل أن يراها المغاربة فوقها.
آخر هذه التقارير ما أعلنته شركة Talisman Metals PLC، عبر إفصاح بورصي منشور اليوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بواسطة خدمة الأخبار التنظيمية RNS، ونقلته منصة Investegate، تحت عنوان Fougnar Sampling Results Identify Multiple Targets، حول مشروع “فوغنار” للنحاس والفضة بالأطلس الصغير، حيث تحدثت بلغة الاحتفاء عن “نتائج إيجابية” لعينات أخذت من رواسب الأودية، وسّعت بموجبها خريطة أهداف الحفر المرتقب في صيف 2026 إلى حوالي 4 كيلومترات موزعة على ست مناطق متميزة، معلنة عن رصد مؤشرات نحاس واعدة في الجزء الجنوبي للمشروع، على بعد كيلومترات قليلة من منجم “تيزرت” الشهير.
وحسب الإفصاح البورصي ذاته، جمعت الشركة 132 عينة من رواسب الأودية عبر منطقة فوغنار، وأظهرت التحاليل مؤشرات وصلت إلى 200 جزء في المليون من النحاس، و6510 أجزاء في المليون من الباريوم، و502 جزء في المليون من الرصاص، و161 جزءاً في المليون من الزنك، وهي أرقام تستعمل عادة في مرحلة الاستكشاف لتحديد المناطق ذات الأولوية قبل الانتقال إلى الحفر المباشر.
الحديث بلغة الأرقام عن أجزاء في المليون من النحاس والباريوم والرصاص والزنك، وإرسال العينات إلى مختبرات المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن ONHYM بالرباط، يمنح الخطوة غطاء تقنياً وسيادياً متكاملاً، غير أن السؤال المقلق الذي يتجنب الجميع طرحه في مثل هذه المناسبات: أين تبدأ الحقيقة الجيولوجية وأين تنتهي اللعبة التسويقية لشركات التنقيب العالمية؟.
وتربط الشركة هذه المؤشرات بنتائج مسح كهرومغناطيسي أرضي سابق TEM، وبمعطيات جيولوجية وبنيوية تعتبرها ملائمة لوجود تمعدن في العمق، غير أن ذلك لا يحول المؤشرات الحالية إلى اكتشاف تجاري مؤكد، لأن الشركة نفسها تنبه إلى أن بعض النتائج التاريخية المرتبطة بالمشروع لا ترقى بعد إلى موارد أو احتياطيات معدنية مؤكدة وفق معيار JORC 2012.
من يعيد قراءة تاريخ المناجم في الأطلس الصغير يعرف أن المسافة بين عينات الأودية وظهور منجم حقيقي ذي جدوى اقتصادية هي مسافة محفوفة بالمخاطر، وتحتاج لسنوات من الحفر والتمويل والاختبارات التقنية، وهو ما يجعل الإعلان الحالي، في جزء منه، مادة مثالية لتسويق المشروع وجذب اهتمام المستثمرين في الأسواق المالية، بأقل تكلفة ممكنة على الأرض.
يتزامن هذا الحراك المنجمي البريطاني في الجنوب المغربي مع طفرة عالمية غير مسبوقة في الطلب على النحاس والفضة، باعتبارهما عصب الاقتصاد الأخضر الجديد، من بطاريات السيارات الكهربائية إلى شبكات الطاقة المتجددة.
هذا التزامن يضع المغرب، برغبته أو بدونها، في قلب خريطة التنافس الجيوسياسي المحموم على المعادن الاستراتيجية، حيث تسعى الرساميل الأجنبية والتكنولوجيات الحديثة إلى حجز مواقعها مبكراً في التكوينات الرسوبية للمملكة، مستفيدة من مناخ استثماري مرن وتسهيلات لافتة.
لكن المفارقة الأكثر إثارة للتأمل تكمن في الفجوة الهيكلية بين صخب الأرقام المتداولة في قاعات التداول اللندنية، وبين الهدوء الصامت الذي يخيم على بلدات ومداشر الأطلس الصغير المحيطة بهذه المشاريع.
تبرز هنا التساؤلات المشروعة حول مدى انعكاس هذا الجيل الجديد من مشاريع الاستكشاف على قفة المواطن المحلي، وحول نصيب التنمية الإقليمية من هذه الثروات المدفونة، فبينما يجري النقاش حول جودة التحاليل ومراقبة العينات، يظل السؤال معلقاً حول كيفية حماية الأمن المعدني الوطني وضمان ألا يتحول البلد إلى مجرد مصدّر للمواد الخام دون قيمة مضافة حقيقية تصنع الفارق في الداخل.
وتشير الشركة إلى أن المعطيات التقنية الواردة في الإفصاح راجعها Fabien Linares، رئيس الجيولوجيين في Talisman Metals، بصفته شخصاً مؤهلاً وفق المعايير المعتمدة في القطاع، وهو معطى يمنح الإعلان غلافاً مهنياً، لكنه لا يلغي الحاجة إلى انتظار نتائج الحفر قبل أي خلاصات نهائية حول الحجم الحقيقي للمؤشرات المعدنية وجدواها الاقتصادية.
إن معركة “فوغنار” الحقيقية لن تحسمها البيانات الصحفية المتفائلة ولا الخرائط الجيولوجية الأولية، بل ستبدأ مع أول دوران لآلات الحفر في عمق الأرض للتأكد مما إذا كانت هذه المؤشرات تعكس مخزوناً تجارياً حقيقياً يعزز موقع المغرب في سوق المعادن الاستراتيجية، أم أنها مجرد موجة أخرى من موجات المضاربة برخص التنقيب تنتهي بانتهاء الصيف، لتبقى الثروة معلقة بين وعود الشركات وواقع الانتظار.
