بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد ملف دعم استيراد الأغنام مجرد نقاش عابر حول عيد الأضحى، ولا مجرد سجال عادي حول أرقام الدعم، بل تحول إلى سؤال سياسي ومالي ثقيل: هل وصل الدعم فعلاً إلى الهدف الذي رُصد من أجله، أم مرّ من الخزينة العمومية نحو جيوب محددة دون أن يلمس المواطن أثره في السوق؟.
الحكومة، عبر وزارة الفلاحة، قالت في بلاغ رسمي إن كلفة دعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى خلال سنتي 2023 و2024 بلغت 437 مليون درهم، منها 193 مليون درهم سنة 2023 و244 مليون درهم سنة 2024، مع الحديث عن استيراد حوالي 875 ألف رأس، منها 386 ألف رأس سنة 2023 و489 ألف رأس سنة 2024، بدعم قدره 500 درهم عن كل رأس.
لكن التحقيق الذي أنجزته مجلة “ملفات” عبر الصحفي يوسف الحيرش، كما عرض تفاصيله في حوار مع الإعلامي حميد المهداوي، وضع رقماً آخر فوق الطاولة، رقم لا يمكن المرور عليه ببرودة إدارية، إذ كشف، استناداً إلى قراءة معطيات مكتب الصرف، أن ما دخل إلى المغرب قبل عيد الأضحى لسنة 2023 لم يتجاوز 136 ألف رأس من الأغنام، بينما تحدثت الوزارة عن دعم 386 ألف رأس.
هنا لا يتعلق الأمر بفارق صغير يمكن دفنه وسط لغة البلاغات، بل بفارق يقارب 250 ألف رأس، وإذا ضُرب هذا الرقم في 500 درهم عن كل رأس، نصل إلى حوالي 125 مليون درهم تحتاج إلى جواب واضح، لا إلى خطابات مطمئنة ولا إلى تبريرات عامة حول الجفاف والتضخم والسوق الدولية.
المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يريد دروساً في “الحمائية” ولا في رسوم الاستيراد، بل يريد جواباً بسيطاً: أين ذهب الدعم؟ ومن استفاد منه؟ ولماذا ظل اللحم غالياً رغم فتح باب الاستيراد وتعليق الرسوم ومنح الدعم المباشر؟.
الأخطر أن هذا الدعم قُدّم للرأي العام باسم حماية القدرة الشرائية، لكن القدرة الشرائية نفسها لم تشعر بالحماية. المواطن بقي يشتري اللحم بثمن مرتفع، والكساب الصغير ظل يشتكي من الأعلاف، والسوق لم تنكسر أسعارها كما وعدت الحكومة.
وحدهم بعض المستوردين خرجوا من العملية بأرقام مريحة، بينما خرج المواطن بنفس السؤال ونفس الجيب المثقوب.
وحسب المعطيات التي عرضها الحيرش، فإن الإشكال لا يقف عند رؤوس الأغنام وحدها، بل يمتد إلى سلسلة كاملة تبدأ من الحبوب والأعلاف والنقل والاستيراد، وتنتهي عند المجازر ونقط البيع.
وهذه السلسلة، كما قدمها التحقيق، تبدو محاطة بنفوذ اقتصادي وسياسي واسع، ولا يظهر أنها مفتوحة بنفس الشروط أمام الجميع.
وهنا يصبح السؤال أعمق من مجرد دعم خروف. نحن أمام نموذج تدبير عمومي يمنح الامتياز باسم المواطن، ثم يعجز عن إثبات أن المواطن استفاد فعلاً.
الدولة تفتح الباب، تسقط الرسوم، تضخ الدعم، ثم تكتشف أن الأسعار لا تنخفض، وأن السوق لا يستجيب، وأن الفاتورة النهائية يؤديها دافع الضرائب والمستهلك في الوقت نفسه.
الحكومة مطالبة اليوم بما هو أكثر من بلاغ مطالبة، بنشر لائحة المستفيدين، وأعداد الرؤوس التي استوردها كل مستورد، وتواريخ دخولها، وقيمة الدعم الذي حصل عليه، والوثائق الجمركية المرتبطة بها. أما الاكتفاء بالقول إن العملية كانت مفتوحة أمام الجميع، فهذا لا يجيب عن سؤال الفارق بين 386 ألف رأس و136 ألفاً.
الملف يحتاج إلى افتحاص حقيقي من مؤسسات الرقابة، وإلى تحرك برلماني، وإلى جواب واضح من وزارة الفلاحة ووزارة المالية ومكتب الصرف.
لأن الأمر يتعلق بمال عام، وبسوق حيوي، وبغذاء المغاربة، وبحكومة رفعت شعار الكفاءة فإذا بها تجد نفسها أمام امتحان الأرقام.
الفرق بين الدولة التي تحكم بالشفافية والدولة التي تدير الأزمات بالبلاغات، هو أن الأولى تفتح الملفات حين تظهر الأرقام، والثانية تترك الأسئلة تكبر حتى تتحول إلى فضائح سياسية.
وفي هذا الملف، السؤال لم يعد عن الخروف وحده، بل عن منطق كامل: كيف يمكن أن يُصرف الدعم باسم الفقراء، ثم لا يظهر أثره لا في السوق ولا في جيب المواطن؟.
