بقلم: الباز عبدالإله
أعادت المكالمة التي توصل بها الأستاذ محمد عمورة، كما عرض مضمونها الصحفي الجيلالي بنحليمة على صفحته، واحداً من أكثر الأسئلة حساسية إلى واجهة النقاش العمومي، سؤال سلامة ما يصل إلى موائد المغاربة من لحوم الدجاج، وحدود المراقبة داخل سلسلة تبدأ من الضيعة ولا تنتهي عند محل البيع أو وحدات تحويل اللحوم.
الموضوع لا يحتمل التهويل المجاني، لكنه أيضاً لا يحتمل التخفيف البارد، لأن ما ورد في المكالمة، إن صح، لا يتعلق بخلاف عابر داخل قطاع مهني، بل بادعاءات خطيرة تمس صحة المستهلك وثقته في منظومة المراقبة، خصوصاً حين يتحدث المتصل، الذي قدم نفسه كتقني في تربية الدجاج، عن استعمال مواد بيطرية تستوجب احترام مدة انتظار قبل توجيه المنتوج للاستهلاك.
وحسب مضمون المكالمة، فإن بعض أرباب الضيعات، عندما يستشعرون خطراً صحياً في المنتوج، يلجؤون إلى حقن الدجاج بمواد يفترض ألا يدخل بعدها إلى السوق إلا بعد مرور مدة معينة، تحدث المتصل عن واحد وعشرين يوماً على الأقل، قبل أن يضيف أن ما يقع، حسب روايته، هو طرح المنتوج بعد ساعات فقط من الحقن.
هنا بالضبط تبدأ خطورة الملف، لأن “مدة الانتظار” ليست تفصيلاً تقنياً يهم المهنيين وحدهم، بل هي ضمانة أساسية حتى لا تصل بقايا الأدوية البيطرية إلى المستهلك بمستويات قد تشكل خطراً على الصحة، وهو ما تؤكده الأدبيات الصحية والبيطرية التي تربط بين احترام هذه المدة وبين ضمان عدم تجاوز بقايا الأدوية للحدود المسموح بها في المنتجات الموجهة للاستهلاك.
والقانون المغربي نفسه لا يترك هذا الباب مفتوحاً للتأويل، إذ ينص القانون رقم 49.99 المتعلق بالحماية الصحية لضيعات الدواجن على منع استعمال مواد كيميائية أو دوائية غير مرخصة، ويعتبر عدم احترام شروط استعمال المواد المسموح بها، خاصة ما يتعلق بآجال الانتظار، مخالفة تستوجب العقوبات، كما يلزم بفتح بحث عندما تظهر بقايا أدوية بيطرية أو مواد غير مرخصة أو نسب تتجاوز الحدود المعتمدة.
الأخطر في المكالمة أن المتصل لم يقف عند الدجاج الموجه للبيع المباشر، بل وسع دائرة القلق إلى شركات تصنيع “الكاشير” ومنتجات اللحوم المحولة، حين تحدث عن احتمال اقتناء منتوجات مشكوك في سلامتها أو غير صالحة للاستهلاك العادي، وهذا الكلام، مهما كان مصدره، لا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة دون افتحاص وخبرة مخبرية، لكنه في المقابل كافٍ لفرض تحقيق رسمي، لأن المنتجات المحولة غالباً ما تفقد فيها العين المجردة قدرة التمييز بين السليم والمشكوك فيه.
المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية يؤكد في معطياته الرسمية أن مصالحه البيطرية تتولى مراقبة المنتجات الحيوانية من الإنتاج إلى الاستهلاك، بما يشمل شروط الإنتاج والتخزين والتحويل والنقل والعرض للبيع، كما يشير إلى وجود مخططات لمراقبة بقايا الأدوية البيطرية في المنتجات الحيوانية، ومن بينها الدواجن.
لذلك فالمطلوب اليوم ليس بياناً إنشائياً يطمئن الناس بكلمات عامة، بل تحقيق واضح ومعلن، يبدأ من مصدر الادعاء ويمر عبر سجلات العلاج داخل الضيعات، ووصفات الأطباء البيطريين، وتواريخ الحقن، وتواريخ الذبح، ومسارات النقل، ووحدات التحويل، ونقط البيع، ثم ينتهي بنتائج تحاليل مخبرية منشورة للرأي العام.
المطلوب أيضاً أن يعرف المواطن هل تخضع الدواجن الموجهة للاستهلاك اليومي لمراقبة كافية على مستوى بقايا الأدوية، وهل تشمل هذه المراقبة الضيعات الصغيرة والمتوسطة والأسواق التقليدية ووحدات تصنيع اللحوم المحولة، أم أن جزءاً من السلسلة يتحرك خارج الضوء، حيث يصبح الثمن هو القانون الوحيد والربح هو المراقب الأول.
القضية هنا لا تخص الأستاذ محمد عمورة ولا الصحفي الجيلالي بنحليمة فقط، بل تخص كل أسرة مغربية تضع الدجاج في طنجرة الغذاء، وكل طفل يستهلك “الكاشير” دون أن يعرف أحد ما الذي عبر إليه قبل أن يصل إلى طبقه.
إذا كانت الادعاءات غير صحيحة، فالمغاربة يحتاجون إلى نفي رسمي مدعوم بالأرقام والتحاليل ومسارات المراقبة، لا إلى مجرد تطمين شفوي.
وإذا كانت صحيحة أو حتى قريبة من الصحة، فنحن أمام ملف لا يحتمل التأجيل، لأن صحة المواطن ليست هامشاً في السوق، وليست تفصيلاً في ميزان الربح، وليست موضوعاً يطفو في مكالمة ثم يختفي في ضجيج مواقع التواصل.
ما ورد في هذه المكالمة جرس إنذار ثقيل، والرد الوحيد المقبول عليه هو تحقيق شفاف، ومراقبة ميدانية، ونتائج معلنة، ومحاسبة كل من يثبت أنه حوّل غذاء المغاربة إلى تجربة مفتوحة على أجسادهم.
