بقلم: الباز عبدالإله
في المغرب، تتحرك الحكومة بسرعة حين تكون الطاولة ساخنة، وحين تكون وراء المطالب نقابات وقطاعات قادرة على الضغط ورفع الصوت، لكنها تصبح بطيئة جداً حين يتعلق الأمر بمتقاعدين أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة، ثم وجدوا أنفسهم في آخر العمر أمام معاشات عالقة في زمن قديم وأسعار لا تنتظر أحداً.
عاد ملف فئة من المتقاعدين الذين توصف معاشاتهم بأنها مجمدة منذ سنة 1997 إلى واجهة النقاش العمومي، بعد سؤال كتابي وُجه إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، حول التدابير الممكنة لتحسين أوضاعهم والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية.
لكن السؤال الحقيقي هنا لا يبدو إدارياً فقط، بل هو سؤال سياسي واجتماعي أعمق: لماذا تسمع الحكومة جيداً صوت من يستطيع الضغط، وتضعف ذاكرتها حين يتعلق الأمر بمن لم يعد يملك سوى عمر ثقيل، ومعاش محدود، وملف مؤجل.
المشكل ليس أن تستفيد قطاعات مهنية من زيادات في الأجور، ولا أن تبحث الدولة عن صيغ لدعم الاستثمار والمشاريع الجديدة، فكل ذلك جزء من حركة بلد يحتاج إلى التشغيل والتنمية وصناعة المستقبل، لكن المشكل يبدأ حين تتحول الأولويات إلى مرآة محرجة، حيث تتحرك الاعتمادات بسهولة نحو مشاريع حديثة وقطاعات واعدة، من بينها مشاريع مرتبطة بالصناعات الرقمية والألعاب الإلكترونية، بينما يبقى متقاعدون عاشوا أعمارهم في خدمة المرفق العام ينتظرون زيادة تحفظ لهم الحد الأدنى من الكرامة.
ليس المطلوب أن يتوقف المغرب عن الاستثمار في المستقبل، ولا أن تُواجَه مشاريع الشباب والاقتصاد الرقمي بمنطق الرفض أو التشكيك، لكن المطلوب هو ألا يتحول المستقبل إلى ذريعة لنسيان من صنعوا جزءاً من الحاضر، وألا تظهر الدولة سخية حين يتعلق الأمر بالمشاريع الكبرى، وحذرة أكثر من اللازم حين يتعلق الأمر بمعاشات لا تصمد أمام صيدلية، ولا أمام قفة، ولا أمام فاتورة شهرية.
هؤلاء المتقاعدون لا يطلبون امتيازاً، ولا يبحثون عن ريع، ولا يرفعون سقفاً خيالياً، بل يطالبون فقط بتسوية معقولة تعيد بعض التوازن بين معاشات بقيت حبيسة سنة 1997، وبين أسعار تعيش بمنطق 2026.
في السوق، لا أحد يبيع للمتقاعد بثمن 1997، وفي الصيدلية لا أحد يسأله عن سنة خروجه إلى التقاعد قبل أن يضع أمامه ثمن الدواء، وفي فواتير الماء والكهرباء والكراء والتنقل لا توجد خانة اسمها “معاش قديم”، لأن كل شيء ارتفع تقريباً إلا دخل هذه الفئة التي ظلت عالقة بين خطاب الوفاء لمن خدموا الوطن وواقع اجتماعي لا يرحم.
قد تقول الحكومة إن الملف مكلف، وإن الميزانية لها توازنات، وإن أي مراجعة تحتاج إلى دراسة دقيقة، وهذا كلام مفهوم من زاوية الحساب المالي، لكنه من زاوية السياسة يصبح سؤالاً أكثر إزعاجاً: إلى متى يمكن ترك فئة كاملة من المتقاعدين تواجه الغلاء بمنطق الانتظار.
الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بعدد البرامج المعلنة، ولا بحجم الشعارات التي ترفع في المناسبات، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على إنصاف الفئات الهادئة التي لا تغلق الطرق، ولا تشل القطاعات، ولا تملك قوة تفاوضية كبيرة، وتُقاس بقدرتها على تذكر من خدموها عندما لم يعد صوتهم عالياً.
الإنصاف هنا ليس مسألة تقنية فقط، بل رسالة سياسية تقول إن من خدم الدولة لا يُترك وحيداً حين يكبر، وإن الدولة التي تطلب من المواطن الثقة في مشاريعها الكبرى، مطالبة أيضاً بأن تمنحه سبباً صغيراً لكي يصدق أن العدالة الاجتماعية لا تبدأ فقط عند الأجيال المقبلة، بل تشمل أيضاً الذين ينتظرون اليوم لا غداً.
ملف متقاعدي 1997 يضع الحكومة أمام اختبار صعب، فإما أن تُثبت أن خطاب الدولة الاجتماعية ليس مجرد عنوان واسع، بل التزام يصل إلى الفئات المنسية، وإما أن يبقى هذا الملف شاهداً آخر على مفارقة مغربية متعبة: مشاريع كبرى تسير بسرعة، ومعاشات صغيرة تنتظر ببطء.
في النهاية، لا تكتمل الدولة الاجتماعية حين تبني للمستقبل وتترك من خدموا الماضي والحاضر يشيخون في طابور الانتظار.
ولا تكتمل الكرامة حين يعيش المتقاعد بأسعار 2026 ومعاشات بقيت عالقة في ذاكرة 1997.
