أعاد الكاتب والباحث إدريس الكنبوري إثارة نقاش دقيق حول موقع الإعلام داخل الحياة السياسية المغربية، من خلال ملاحظة لافتة تتعلق باتجاه بوصلة النقد العمومي، حيث اعتبر أن جزءاً مهماً من المتابعة الإعلامية يركز على أحزاب المعارضة أكثر مما يركز على الحكومة والأغلبية التي توجد في موقع القرار وتتحمل مسؤولية التدبير.
ولا تكمن أهمية هذا الكلام في حدته فقط، بل في كونه يفتح سؤالاً أعمق حول وظيفة الإعلام في المجال العام.
فالأصل في الصحافة، داخل أي نظام سياسي طبيعي، أن تراقب مراكز السلطة، وأن تضع المسؤولين التنفيذيين أمام اختياراتهم وحصيلتهم ونتائج سياساتهم.
أما حين يتحول النقاش الإعلامي إلى مطاردة المعارضة أكثر من مساءلة الحكومة، فإن الأمر يصبح مؤشراً على خلل في ترتيب الأولويات المهنية والسياسية.
المفارقة التي يثيرها الكنبوري تبدو واضحة. فعبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ما يزال حاضراً بقوة في واجهة النقد والهجوم، رغم أن حزبه يوجد اليوم في موقع المعارضة، بينما لا يحظى رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش وأحزاب الأغلبية بالقدر نفسه من الضغط الإعلامي المتصل بالسياسات العمومية الجارية.
هذا الوضع لا يعني إعفاء المعارضة من النقد، ولا تحويلها إلى منطقة محصنة خارج النقاش.
فالمعارضة مطالبة بدورها بتقديم خطاب واضح، وبدائل سياسية قابلة للفحص، ومواقف منسجمة مع مسؤولياتها السابقة والحالية. غير أن الإشكال يبدأ حين يصبح نقد المعارضة بديلاً عن مساءلة من يحكم، وحين يتحول الماضي السياسي إلى مادة يومية للتداول، بينما تمر أسئلة الحاضر بأقل قدر من التدقيق.
في هذا السياق، تبدو إشارة الكنبوري إلى أن جزءاً من الإعلام ما يزال يعيش زمن حكومة بنكيران ذات دلالة سياسية قوية. فالاستمرار في محاكمة تجربة حكومية غادرت منذ سنوات، بدل مواكبة الحكومة القائمة ومساءلة حصيلتها، يعني أن النقاش العمومي لم يتحرر بعد من ذاكرة 2012، رغم أن البلاد تواجه اليوم تحديات سنة 2026 بكل ثقلها الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي.
فالقضايا المطروحة حالياً لا تتعلق بأرشيف سياسي سابق بقدر ما تتعلق بملفات ملموسة تمس حياة المواطن مباشرة: القدرة الشرائية، أسعار المحروقات، الشغل، الصحة، التعليم، الاستثمار، تدبير المال العام، وجودة الخدمات العمومية.
وهذه كلها ملفات ترتبط بالحكومة الحالية، وبالأغلبية التي تملك أدوات القرار، لا بالأحزاب الموجودة خارج الجهاز التنفيذي.
من هنا، لا يعود الأمر متعلقاً ببنكيران وحده، ولا بنبيل بنعبد الله وحده، ولا بأي شخصية معارضة بعينها.
السؤال الحقيقي يرتبط بمنهج الإعلام في تحديد من يستحق المساءلة، ومن ينبغي أن يكون في صدارة المتابعة.
فحين يصبح المعارض موضوعاً دائماً للنقد، بينما تمر اختيارات الحكومة بقدر أقل من التدقيق، فإن المواطن يفقد جزءاً من حقه في فهم من يقرر، ومن ينفذ، ومن يتحمل الكلفة السياسية والاجتماعية للقرارات.
الإعلام، في معناه الديمقراطي، ليس مساحة لتصفية الخصومات، ولا أداة لتثبيت نقاش قديم، ولا وسيلة لإعادة إنتاج المعارك نفسها خارج سياقها.
الإعلام مؤسسة رقابية، يفترض أن تتجه بأسئلتها نحو مواقع السلطة الفعلية، لأن السياسات العمومية لا تصوغها المعارضة، ولا تنفذها الأحزاب خارج الحكومة، بل تصوغها الأغلبية التي تملك البرنامج والميزانية والإدارة والقرار.
وتكتسب إشارة الكنبوري إلى انتقال الخطاب من عبارة “الاستثناء المغربي” إلى عبارة “تمغربيت” بعداً إضافياً في هذا النقاش. فالمشكل لا يرتبط بالمفاهيم في حد ذاتها، بل بطريقة توظيفها حين تتحول إلى عناوين كبرى تغطي ضعف النقاش العمومي بدل أن تعمقه.
فكلما حضرت الشعارات بقوة وغابت المحاسبة، تقلصت قدرة المجال العام على أداء وظيفته الأساسية: مساءلة السلطة باسم المجتمع.
قوة ملاحظة الكنبوري أنها لا تقف عند حدود السجال الحزبي، بل تضع اليد على عطب أوسع في العلاقة بين الإعلام والسياسة.
فلا يمكن تصور حياة ديمقراطية سليمة حين يكون من لا يملك القرار تحت المجهر أكثر ممن يملك القرار.
ولا يمكن الحديث عن صحافة مؤثرة إذا كانت بوصلة النقد تبتعد عن مركز المسؤولية، وتستقر عند هوامش المعارضة.
المغرب لا يحتاج إلى إعلام يعيش على أرشيف الحكومات السابقة، ولا إلى نقاش سياسي يظل أسير أسماء خرجت من مربع التدبير.
ما يحتاجه المجال العام هو إعلام يواجه الحاضر، ويطرح الأسئلة في اتجاهها الصحيح، ويضع الحكومة أمام حصيلتها، والأغلبية أمام وعودها، والمسؤولين أمام نتائج اختياراتهم.
أما الاستمرار في مطاردة المعارضة، مقابل ترك الحكومة تمر بأقل قدر من المساءلة، فليس علامة حيوية إعلامية، بل مؤشر على أزمة في وظيفة الصحافة نفسها.
أزمة تجعل المواطن يسمع كثيراً عن الديمقراطية والمحاسبة والتعددية، لكنه لا يراها دائماً حيث ينبغي أن تظهر: في مراقبة من يحكم.
