بقلم: الباز عبدالإله
أعاد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، ملف المحروقات إلى واجهة النقاش العمومي، عقب نشره مقطع فيديو على صفحته بموقع فيسبوك، انتقد فيه رفض مجلس المستشارين مقترح قانون يتعلق بتنظيم أسعار المحروقات.
الكلام الذي صدر عن بنعبد الله جاء واضحاً في مضمونه السياسي.
فقد اعتبر أن رفض المقترح يعكس استمرار نفس الاختيارات التي لا توازن، في نظره، بين حاجيات السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، منتقداً ما وصفه بابتعاد الأغلبية عن الانشغالات الأساسية للمغاربة.
ولا شك أن ملف المحروقات يكتسي حساسية خاصة داخل النقاش الاقتصادي والاجتماعي، لأنه لا يرتبط فقط بثمن البنزين والغازوال في محطات الوقود، بل يمتد أثره إلى النقل، وأسعار المواد الأساسية، وكلفة الإنتاج، والخدمات، ومستوى معيشة الأسر.
غير أن وجاهة هذا النقاش لا تمنع من طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يكفي أن ينتقد حزب سياسي وضعية سوق المحروقات اليوم، دون أن يستحضر موقعه داخل تجارب حكومية سابقة ساهمت، بدرجات مختلفة، في تشكيل جزء من هذا المسار؟
فحزب التقدم والاشتراكية لم يكن دائماً في موقع المعارضة. لقد شارك في حكومات سابقة، وكان أمينه العام نفسه جزءاً من تجربة حكومية عرفت قرارات اقتصادية كبرى مرتبطة بإصلاح نظام المقاصة وتحرير عدد من الأسعار، في سياق قُدم آنذاك باعتباره ضرورة مالية واقتصادية.
صحيح أن تحميل نبيل بنعبد الله، منفرداً، مسؤولية الوضع الحالي لسوق المحروقات سيكون اختزالاً غير منصف.
فالقرار العمومي، خاصة داخل الحكومات الائتلافية، يتوزع بين مؤسسات وقطاعات وأحزاب ومسؤوليات متعددة.
لكن الصحيح أيضاً أن المسؤولية السياسية لا تسقط بمجرد الانتقال من موقع المشاركة الحكومية إلى موقع المعارضة.
فمن كان داخل الأغلبية، وشارك في تدبير مرحلة معينة، ودافع عن اختياراتها العامة، لا يمكنه اليوم أن يتحدث عن نتائج تلك الاختيارات وكأنها وُلدت خارج الزمن السياسي الذي كان جزءاً منه.
هنا يصبح سؤال الذاكرة السياسية ضرورياً.
لماذا لم يتحول مطلب تنظيم سوق المحروقات، في تلك المرحلة، إلى شرط سياسي واضح داخل الأغلبية الحكومية؟ ولماذا لم تُبن، منذ البداية، آليات أكثر صرامة لمراقبة هوامش الربح، وضمان شفافية الأسعار، وحماية المنافسة، وربط تحرير السوق بحماية فعلية للمواطن؟
بنعبد الله قال إن حزبه سبق أن تقدم بمقترح قانون في الموضوع قبل سنوات، وإن هذا المقترح لم يأخذ مساره نحو المصادقة. وهذا معطى مهم، لأنه يؤكد أن الحزب حاول، على الأقل من موقعه التشريعي، إعادة فتح الملف.
غير أن ذلك لا يلغي السؤال الأعمق المرتبط بأصل الاختيارات الاقتصادية التي جعلت سوق المحروقات يصل إلى هذا المستوى من الحساسية والاحتقان.
الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية انتقد أيضاً ما اعتبره تشجيعاً لأوساط تستفيد من الدعم أو من غياب التنظيم في قطاعات متعددة، من بينها المحروقات والأدوية.
وهي ملاحظة سياسية تفتح نقاشاً مشروعاً حول من يستفيد فعلاً من السياسات العمومية، ومن يدفع كلفتها في النهاية.
لكن هذا النقاش لا ينبغي أن يوجَّه فقط إلى الأغلبية الحالية. بل يجب أن يشمل كل الحكومات والأحزاب التي ساهمت، بدرجات متفاوتة، في بناء النموذج الاقتصادي الذي جعل المواطن يواجه تقلبات الأسعار دون حماية كافية.
الانتقاد الموجه إلى الأغلبية بسبب رفض مقترح تنظيم أسعار المحروقات مشروع سياسياً.
غير أن المصداقية تقتضي أن يتحول هذا الانتقاد إلى مراجعة شاملة، لا إلى تصفية ظرفية مع خصم سياسي.
فالأزمة لم تبدأ مع تصويت مجلس المستشارين، ولم تولد مع حكومة واحدة.
إنها نتيجة مسار طويل من تحرير غير محاط بما يكفي من الضمانات، ورقابة محدودة، ومنافسة تحتاج إلى تقوية، وشفافية ما زالت غير كافية في سوق يمس الحياة اليومية للمغاربة.
لذلك، فإن كلام بنعبد الله يطرح سؤالاً مهماً، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالاً موجهاً إليه وإلى حزبه: هل نحن أمام نقد سياسي صادق لمسار اختل فعلاً، أم أمام معارضة تستعيد حساسية الملف بعد مغادرة مواقع القرار؟
المغاربة لا يحتاجون فقط إلى من يندد بغلاء المحروقات من موقع المعارضة، يحتاجون أيضاً إلى من يملك الشجاعة السياسية للاعتراف بأن الأزمة صنعتها تراكمات طويلة، وأن حماية القدرة الشرائية لا تبدأ بخطاب على فيسبوك، بل بإرادة واضحة في الحكم، والتشريع، والمراقبة، والمحاسبة.
وحين يطالب بنعبد الله اليوم بتنظيم سوق المحروقات، فمن حق المواطنين أن يسألوا: لماذا تأخر هذا الوعي السياسي؟ ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي تُرك فيها هذا السوق يتوسع دون قواعد كافية لحماية جيوب المغاربة؟
