بقلم: الباز عبدالإله
عاد ملف المحروقات إلى واجهة النقاش الاقتصادي من بوابة دولية واسعة، بعدما حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير جديد صدر اليوم الاثنين 29 يونيو، من أن تداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط قد تدفع عدداً من الدول النامية إلى استنزاف جزء مهم من هامشها المالي في دعم الوقود، أو تثبيت الأسعار، أو اعتماد تدابير ظرفية لتخفيف الصدمة عن الأسر والمقاولات.
لا يتعلق الأمر، وفق التقرير الأممي، باضطراب عابر في سوق الطاقة، بل بفاتورة عالمية ضخمة قد تتجاوز تريليون دولار خلال السنة الجارية.
فبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قد تصل إعانات الوقود الأحفوري عالمياً إلى 1.1 تريليون دولار في 2026، أي بزيادة تناهز 410 مليارات دولار مقارنة مع سنة 2025، إذا استقر متوسط سعر النفط في حدود 88.6 دولاراً للبرميل.
أما في السيناريو الأكثر حدة، حيث يبلغ متوسط سعر النفط 110 دولارات للبرميل، فقد ترتفع الفاتورة إلى 1.43 تريليون دولار.
هذه الأرقام، رغم طابعها الدولي، لا تبقى بعيدة عن الحياة اليومية للمواطن المغربي.
فكل ارتفاع في كلفة الطاقة يمر عبر قنوات متعددة قبل أن يصل إلى السوق الداخلية: الاستيراد، النقل، التوزيع، الإنتاج، اللوجستيك، ثم أسعار السلع والخدمات.
لذلك لا يظهر أثر النفط فقط في محطة الوقود، بل ينعكس أيضاً على كلفة التنقل، وأسعار المواد الأساسية، وهوامش المقاولات الصغيرة، وقدرة الأسر على تدبير ميزانياتها الشهرية.
المغرب، بحكم اعتماده الكبير على واردات الطاقة، يوجد في قلب هذه المعادلة الحساسة.
فأي اضطراب في السوق الدولية للنفط لا يظل محصوراً في نشرات الاقتصاد أو تقارير المؤسسات المالية، بل ينتقل تدريجياً إلى الداخل، حيث تصبح كلفة الطاقة جزءاً من كلفة النقل، وكلفة الإنتاج، وكلفة المعيشة.
وحين ترتفع هذه الكلفة، لا يتحملها طرف واحد بشكل منفصل، بل تتوزع آثارها بين الدولة، والمقاولات، والمهنيين، وفي النهاية المواطن.
هنا تبرز أهمية السؤال الذي يطرحه التقرير الأممي بشكل غير مباشر: كيف يمكن للدول النامية أن تحمي القدرة الشرائية لمواطنيها من صدمات الطاقة دون أن تضغط أكثر على ميزانياتها العمومية؟ فالدعم، أو تخفيف الضرائب، أو تثبيت الأسعار، قد يمنح هدنة اجتماعية مؤقتة، لكنه في المقابل يطرح كلفة مالية حقيقية، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة أو تحولت الصدمة الخارجية إلى واقع مستمر.
بالنسبة إلى المغرب، يحمل هذا السؤال حساسية خاصة، لأن ملف المحروقات تحول منذ سنوات إلى واحد من أكثر الملفات ارتباطاً بالقدرة الشرائية وبالثقة في السوق.
فمنذ تحرير أسعار المحروقات، صار المواطن يتابع تحركات الأسعار في محطات الوقود باعتبارها مؤشراً مباشراً على كلفة الحياة، وينتظر أن تنعكس التحولات الدولية على الثمن المحلي بالوضوح نفسه، سواء عند الارتفاع أو عند الانخفاض.
غير أن العلاقة بين سعر النفط عالمياً وسعر الوقود محلياً لا تبدو دائماً واضحة بالنسبة إلى المواطن.
فحين ترتفع الأسعار الدولية، يظهر أثر الزيادة بسرعة داخل السوق. أما حين تتراجع، فلا يكون الإحساس بالانخفاض دائماً بنفس السرعة أو بنفس الحجم.
ومن هنا يتحول النقاش من مسألة تقنية مرتبطة بالتسعير إلى سؤال أوسع حول الشفافية: كيف تُحتسب الأسعار؟ ما وزن الضرائب؟ ما حدود هوامش التوزيع؟ وما موقع الدولة حين تصبح الطاقة ضغطاً اجتماعياً مباشراً؟
تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا يقدم وصفة خاصة بالمغرب، لكنه يضع أمامه مرآة دولية واضحة.
فالدول المستوردة للطاقة تجد نفسها، عند كل أزمة كبرى، أمام خيارات صعبة: إما ترك الأسعار تنتقل مباشرة إلى المستهلك، بما يحمله ذلك من ضغط اجتماعي، أو التدخل لتخفيف الصدمة، بما يحمله ذلك من كلفة مالية، أو تسريع الانتقال نحو نموذج طاقي أقل ارتهاناً للأسواق الدولية المتقلبة.
غير أن الانتقال الطاقي لا ينجح بالشعارات وحدها. فالطاقات المتجددة، والنجاعة الطاقية، وتطوير النقل العمومي، وتقليص كلفة اللوجستيك، لم تعد ملفات بيئية أو تقنية فقط، بل صارت أدوات اقتصادية لحماية القدرة الشرائية.
فكل تقليص في فاتورة الاستيراد الطاقي يمنح الاقتصاد الوطني هامشاً أكبر لتوجيه الموارد نحو الاستثمار الاجتماعي، والبنية التحتية، والخدمات الأساسية.
لهذا، فإن السؤال المغربي الذي يفتحه التقرير الأممي لا يقف عند ثمن الغازوال أو البنزين في المحطات.
السؤال الأعمق هو: من يتحمل كلفة هشاشة الطاقة؟ هل تتحملها ميزانية الدولة؟ هل تتحملها المقاولات؟ هل ينقلها المهنيون إلى الأسعار النهائية؟ أم أن المواطن، باعتباره الحلقة الأخيرة في سلسلة الاستهلاك، يجد نفسه في مواجهة أثر الصدمة بعد أن تكون قد تضاعفت عبر حلقات النقل والإنتاج والتوزيع؟
في زمن تتداخل فيه الحروب مع الأسواق، وتتقاطع فيه أسعار النفط مع كلفة الخبز والنقل والخدمات، لم تعد المحروقات ملفاً قطاعياً محدوداً.
إنها مرآة لنموذج اقتصادي كامل وكلما طال اعتماد المغرب على واردات الطاقة، ظل كل اشتعال دولي في النفط قابلاً لأن يتحول إلى سؤال داخلي حول العدالة السعرية، وشفافية السوق، وقدرة الدولة على حماية المواطن دون إضعاف توازنات المالية العمومية.
يذكر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن دعم الوقود قد يخفف الألم مؤقتاً، لكنه لا يعالج أصل الهشاشة.
أما بالنسبة إلى المغرب، فالرسالة تبدو أكثر مباشرة: لا يكفي تدبير الصدمة بعد وقوعها، بل ينبغي تقليص قابلية الاقتصاد للتأثر بها من الأصل.
فالطاقة لم تعد مجرد سلعة مستوردة، بل صارت اختباراً للسياسة الاقتصادية، وللثقة الاجتماعية، ولقدرة الدولة على تحويل الأزمات الخارجية إلى مراجعة داخلية هادئة وشجاعة.
