بقلم: الباز عبدالإله
دخل المغرب سباقاً تنظيمياً مع الزمن لتأمين استمرار الخدمات التي تقدمها البنوك المغربية لمغاربة العالم داخل الاتحاد الأوروبي، قبل بدء التطبيق الكامل لمقتضيات بنكية أوروبية جديدة في يناير المقبل، بعدما توصلت الرباط إلى تفاهم مع فرنسا وفتحت قنوات تفاوض مع دول أوروبية أخرى تحتضن تجمعات مهمة من الجالية المغربية.
وكشفت صحيفة «Brussels Signal» الأوروبية، اليوم الأربعاء 12 غشت 2026، أن المغرب كثف تحركاته لحماية الدور الوسيط الذي تؤديه البنوك المغربية في خدمة أفراد الجالية داخل أوروبا، مشيرة إلى أن الرباط توصلت إلى تفاهم مع فرنسا، فيما انطلقت اتصالات مع هولندا وبلجيكا، على أن تشمل التحركات إسبانيا وإيطاليا ثم ألمانيا.
ويعود مصدر القلق إلى التوجيه الأوروبي السادس لمتطلبات رأس المال، المعروف اختصاراً بـ«CRD VI»، وتحديداً المادة 21c التي تفرض، من حيث المبدأ، على المؤسسات البنكية الموجودة خارج الاتحاد الأوروبي إنشاء فرع مرخص داخل الدولة العضو إذا أرادت تقديم أو مواصلة مجموعة من الخدمات البنكية الأساسية لعملاء موجودين داخلها.
وتؤكد الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي أن التوجيه يحمل رقم 2024/1619، وأن المقتضيات المتعلقة بهذا النظام الجديد ستطبق ابتداء من 11 يناير 2027.
ولا يعني ذلك أن الاتحاد الأوروبي يستعد لمنع تحويلات مغاربة العالم أو وقف وصول الأموال إلى المغرب، بل يتعلق الإشكال أساساً بالشروط القانونية والتنظيمية التي تحكم عمل المؤسسات البنكية القادمة من دول غير أعضاء في الاتحاد، ومن بينها البنوك المغربية التي تعتمد حضورها الأوروبي لخدمة زبنائها المقيمين بالخارج وربطهم بحساباتهم وخدماتهم البنكية في المغرب.
وبحسب «Brussels Signal»، تستعمل البنوك المغربية فروعاً ومكاتب تمثيلية داخل أوروبا لتسهيل فتح وتدبير الحسابات بالمغرب وتنفيذ عدد من العمليات لفائدة أفراد الجالية، وهي الوظيفة التي يصفها بنك المغرب بنشاط «الربط» أو «relay activity».
ولذلك أنشأت الرباط فريق عمل يضم، وفق المصدر ذاته، البنك المركزي ووزارتي الاقتصاد والمالية والشؤون الخارجية وممثلين عن البنوك المغربية الرئيسية لمتابعة آثار التشريع الأوروبي الجديد.
وتكتسب المسألة وزناً مالياً كبيراً بالنظر إلى حجم الأموال التي يحولها المغاربة المقيمون بالخارج، إذ أوردت الصحيفة، استناداً إلى أرقام مكتب الصرف، أن التحويلات بلغت حوالي 122 مليار درهم خلال سنة 2025، أي ما يعادل نحو 11.4 مليار يورو، قبل أن تصل إلى 61.48 مليار درهم خلال الأشهر الستة الأولى من سنة 2026، بارتفاع قدره 9.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وكانت فرنسا أول محطة في التحرك المغربي بالنظر إلى حجم الجالية المغربية المقيمة بها وأهمية السوق الفرنسية بالنسبة إلى البنوك المغربية.
ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، أعلن والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، في يونيو الماضي، التوصل إلى تفاهم يسمح بالحفاظ على نشاط الربط الذي تقوم به البنوك المغربية، دون اعتراض من المفوضية الأوروبية على الصيغة التي جرى التوصل إليها.
وبعد المسار الفرنسي، انتقلت الرباط إلى هولندا وبلجيكا، فيما توجد إسبانيا وإيطاليا ضمن المحطات التالية للمفاوضات، على أن تشمل الاتصالات ألمانيا أيضاً.
وتكتسب إسبانيا أهمية خاصة في هذا الملف، إذ بلغت التحويلات القادمة منها نحو المغرب، بحسب الأرقام التي نقلتها الصحيفة عن بنك إسبانيا، حوالي 1.589 مليار يورو خلال سنة 2025.
وتأتي التحركات المغربية في وقت تختلف فيه وتيرة تنزيل «CRD VI» من بلد أوروبي إلى آخر.
وكان يتعين على الدول الأعضاء اعتماد ونشر التشريعات الوطنية اللازمة لملاءمة قوانينها مع التوجيه الأوروبي في أجل أقصاه 10 يناير 2026، بينما يبدأ تطبيق المقتضيات الأساسية الخاصة بفروع المؤسسات البنكية القادمة من دول ثالثة، ومنها القواعد المرتبطة بالمادة 21c، ابتداء من 11 يناير 2027.
وتظل وتيرة التنفيذ متفاوتة بين الدول الأعضاء، إذ أنهت بعض العواصم الأوروبية عملية الملاءمة القانونية، بينما ما تزال دول أخرى في مراحل تشريعية مختلفة، وهو ما يفسر لجوء المغرب إلى مقاربة تقوم على التفاوض مع كل دولة على حدة بدل انتظار معالجة موحدة للملف على مستوى الاتحاد الأوروبي.
كما يمنح التشريع الأوروبي حماية للعقود القائمة التي أبرمت قبل 11 يوليوز 2026، إذ تنص المادة 21c على عدم المساس بالحقوق المكتسبة للزبناء بموجب تلك العقود، وهو ما يجعل الرهان المغربي مركزاً بالدرجة الأولى على ضمان نموذج قانوني مستدام للخدمات الجديدة التي ستقدم بعد دخول القواعد الأوروبية حيز التطبيق الكامل.
ويظهر النص الأوروبي أن المسألة تتجاوز الحالة المغربية، إذ يسعى الاتحاد إلى توحيد الإطار الرقابي المطبق على فروع البنوك القادمة من الدول الثالثة، بعدما كانت هذه المؤسسات تخضع بدرجة كبيرة لقواعد وطنية متفاوتة من دولة عضو إلى أخرى.
ويشترط النظام الجديد، بالنسبة إلى الخدمات البنكية الأساسية المعنية، وجود فرع مرخص داخل الدولة الأوروبية التي تقدم فيها الخدمة، مع استثناءات محددة ينص عليها التوجيه.
وبذلك، لا تتمحور المعركة التي تخوضها الرباط في العواصم الأوروبية حول استمرار تحويل الأموال إلى المغرب في حد ذاته، وإنما حول بقاء البنوك المغربية قادرة على لعب دورها التقليدي بالقرب من الجالية وفق قواعد الاتحاد الجديدة، وهو ما يفسر انتقال الملف من التفاوض مع بروكسيل إلى بناء ترتيبات عملية مع كل دولة أوروبية على حدة قبل حلول 11 يناير 2027.
