لم يعد السرطان، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، مجرد تحدٍّ طبي يُقاس بعدد الأسرّة المتوفرة، أو كميات الأدوية، أو آجال المواعيد العلاجية.
فالمرض بات يشكل عبئاً صحياً واجتماعياً واقتصادياً متزايداً، يختبر قدرة الدول على حماية مواطنيها، ويضع أنظمة الصحة أمام أسئلة دقيقة تتعلق بالوقاية، والكشف المبكر، والولوج إلى العلاج، والحماية المالية للأسر.
التقرير العالمي الجديد الصادر عن منظمة الصحة العالمية، اليوم 8 يوليوز 2026، يقدم مؤشرات مقلقة بشأن تطور عبء السرطان على المستوى الدولي.
فالمنظمة تتحدث عن أكثر من 20.6 مليون حالة سرطان جديدة سنوياً في العالم، ونحو 10 ملايين وفاة، معتبرة أن السرطان يظل ثاني سبب للوفاة عالمياً بعد أمراض القلب والشرايين.
كما تحذر من أن عدد الحالات السنوية مرشح، في غياب تدخلات فعالة، للارتفاع إلى حوالي 35 مليون حالة بحلول سنة 2050.
وتكتسب هذه المعطيات العالمية أهمية خاصة حين تُقرأ في ضوء الأرقام المتعلقة بالمغرب، كما يعرضها المرصد العالمي للسرطان GLOBOCAN 2024، التابع للوكالة الدولية لأبحاث السرطان بمنظمة الصحة العالمية.
فحسب هذه التقديرات، سجل المغرب 47 ألفاً و944 حالة سرطان جديدة، منها 21 ألفاً و255 حالة لدى الرجال و26 ألفاً و689 حالة لدى النساء، مقابل 26 ألفاً و459 وفاة مرتبطة بالمرض، و113 ألفاً و159 حالة منتشرة خلال خمس سنوات.
تكشف هذه الأرقام أن السرطان لم يعد ملفاً صحياً عادياً في المغرب، بل أصبح عبئاً متنامياً يضغط على المستشفيات، ومنظومة التغطية الصحية، وميزانيات الأسر، ومواعيد الفحوصات، وتكلفة الأدوية، وقدرة المنظومة الصحية على تشخيص المرض في مراحله المبكرة، قبل أن يصبح العلاج أكثر تعقيداً وكلفة وأقل حظاً في النجاح.
ويتصدر سرطان الثدي قائمة السرطانات الأكثر انتشاراً في المغرب، بـ10 آلاف و410 حالات جديدة، أي 21.7 في المائة من مجموع الحالات، يليه سرطان الرئة بـ6 آلاف و101 حالة، ثم سرطان القولون والمستقيم بـ4 آلاف و40 حالة، ثم سرطان البروستاتا بـ3 آلاف و533 حالة، وسرطان الغدة الدرقية بـ3 آلاف و209 حالات.
أما عند النساء، فيمثل سرطان الثدي وحده 39 في المائة من الحالات الجديدة، بينما يتصدر سرطان الرئة عند الرجال بـ5 آلاف و326 حالة، أي 25.1 في المائة من الحالات المسجلة لدى الذكور.
ولا تطرح هذه الخريطة المرضية سؤال الأرقام وحده، بل تفتح نقاشاً أوسع حول جاهزية السياسات الصحية.
فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد الحالات المسجلة، بل بمدى قدرة المغرب على تحويل الكشف المبكر إلى ممارسة منتظمة وواسعة ومستدامة، عوض أن يبقى مرتبطاً بالحملات الموسمية أو بالإمكانات الفردية للمواطنين.
كما تطرح السؤال حول قدرة منظومة التغطية الصحية على توفير حماية فعلية أمام مرض تتحول فيه الكلفة، في كثير من الحالات، إلى جزء من المعاناة نفسها.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الفوارق في الولوج إلى الوقاية والتشخيص والعلاج والرعاية الداعمة ما تزال واسعة عبر العالم، وأن ملايين الأشخاص لا يحصلون على الخدمات التي يحتاجونها. كما تشير المنظمة إلى أن أقل من ثلث دول العالم يدرج رعاية السرطان ضمن حزم التغطية الصحية الشاملة، في وقت تُظهر فيه المعطيات أن نسبة البقاء على قيد الحياة بعد سرطان الثدي لخمس سنوات تصل إلى 87 في المائة في البلدان ذات الدخل المرتفع، مقابل حوالي 42 في المائة فقط في البلدان منخفضة الدخل.
من هذه الزاوية، يصبح النقاش المغربي أكثر إلحاحاً فالسؤال لم يعد محصوراً في عدد المصابين، بل يمتد إلى توقيت التشخيص، ومدة انتظار الفحوصات، وتوفر الأدوية، وقدرة الأسر على تحمل الكلفة، وقرب مراكز العلاج، ومدى تحول التغطية الصحية إلى حماية ملموسة، لا إلى مجرد وضعية إدارية لا تمنع الأسرة من استنزاف مدخراتها حين يدخل السرطان بيتها.
في بلد يرفع شعار تعميم الحماية الاجتماعية، يشكل السرطان امتحاناً عملياً لمعنى هذه الحماية.
فنجاح الورش لا يُقاس فقط بعدد المنخرطين في أنظمة التغطية، بل بقدرة المريض على الوصول إلى التشخيص في الوقت المناسب، والحصول على العلاج دون استنزاف مالي، ومتابعة مساره العلاجي في ظروف تحفظ كرامته وتحد من هشاشة أسرته.
وتزداد حساسية هذا السؤال في ظل ورش تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض AMO، باعتباره إحدى الآليات المركزية للحماية الصحية في المغرب.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في توسيع قاعدة المستفيدين أو نقل المواطنين من وضعية غياب التغطية إلى وضعية الانخراط، بل في قياس الأثر الفعلي لهذه التغطية حين يواجه المواطن مرضاً ثقيلاً ومكلفاً مثل السرطان.
فالسؤال الجوهري هو ما إذا كان AMO يوفر حماية علاجية ومالية كافية في مواجهة مسار طويل من الفحوصات والأدوية والعلاجات، أم أن جزءاً مهماً من الكلفة يظل ينتقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى جيوب الأسر.
ويبرز تقرير منظمة الصحة العالمية أن التعامل مع السرطان لا يمكن أن ينحصر في العلاج وحده، بل ينبغي أن يمتد إلى الوقاية والسياسات العمومية.
فالمنظمة تؤكد أن قرابة أربع حالات من كل عشر حالات سرطان في العالم ترتبط بعوامل يمكن الوقاية منها، من بينها التبغ، والكحول، والسمنة، وقلة النشاط البدني، وبعض الالتهابات، وتلوث الهواء.
وهذا يعني أن جزءاً أساسياً من مواجهة السرطان يبدأ خارج المستشفى، داخل المدرسة، والحي، والسياسة الجبائية، ومراقبة التبغ، والتغذية، والبيئة، وأنماط العيش.
لذلك، لا يكفي أن يراهن المغرب على توسيع التغطية الصحية أو بناء مؤسسات استشفائية جديدة، ما لم يتحول ملف السرطان إلى أولوية مركزية داخل السياسات الصحية والاجتماعية المقبلة. فمرض بهذا الحجم يتطلب، إلى جانب تجهيزات الكشف وأقسام العلاج، عدالة في الولوج، وشفافية في كلفة الأدوية، وآجال مواعيد معقولة، وتوزيعاً ترابياً منصفاً، وحماية مالية تحد من خطر سقوط الأسر في الهشاشة بسبب المرض.
السرطان، كما تقدمه منظمة الصحة العالمية، ليس مجرد مرض فردي، بل مؤشر على قدرة الدولة الاجتماعية على حماية المواطن في أكثر لحظات حياته هشاشة.
وحين تشير أرقام GLOBOCAN إلى أن المغرب يسجل عشرات الآلاف من الحالات الجديدة والوفيات سنوياً، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يبقى طبياً فقط، بل يصبح سؤالاً سياسياً واجتماعياً أيضاً: هل تستعد السياسات الصحية للعبء القادم، أم ستظل الأسر المغربية في مواجهة منفردة مع مرض يضغط على الجسد والقدرة المالية والاستقرار الأسري في الوقت نفسه؟
ما يطرحه التقرير العالمي هو إنذار مبكر، أما ما تطرحه الأرقام الخاصة بالمغرب فهو سؤال وطني مباشر: هل ستتعامل الحكومة مع السرطان باعتباره أولوية صحية كبرى، أم سيظل ملفاً عادياً ضمن لائحة طويلة من البرامج والالتزامات؟
السرطان لا يمنح الأنظمة الصحية وقتاً طويلاً للتردد. فهو يدخل البيوت بلا موعد، ويختبر فعالية السياسات العمومية في لحظة دقيقة: هل يجد المواطن مساراً واضحاً نحو التشخيص والعلاج والحماية، أم يجد نفسه أمام كلفة مرتفعة، ومواعيد بعيدة، وأسرة تبحث وحدها عن الدواء والسرير والأمل؟
وبين الرقم والواقع، يبدو أن السرطان لا يختبر المستشفيات وحدها، بل يختبر صدقية الشعار الاجتماعي حين يصطدم بفاتورة المرض.
