لم يكن اعتذار عبد الإله بنكيران عن كلمة “قندوح” مجرد تصحيح لغوي عابر في هامش خطاب سياسي مثير للجدل، بل بدا أقرب إلى محاولة دقيقة لإدارة الضرر دون التراجع عن جوهر الرسالة.
فالأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق لم يسحب كلمته في الصويرة، ولم يعتذر عن مضمونها السياسي، بل اكتفى بسحب لفظ واحد، مع التشديد على تمسكه بكل ما عداه.
هذه الصيغة، في ذاتها، تختزل الكثير من أسلوب بنكيران في إدارة المواقف الحرجة: تراجع محسوب عن العبارة التي أثارت الضجيج، مع إبقاء المعنى السياسي في مكانه.
وكأن الرجل أراد أن يقول لخصومه ومتابعيه معاً إن الخطأ كان في الكلمة، لا في الرسالة.
غير أن السياسة لا تُقاس دائماً بالنوايا المعلنة، بل بسياق الكلام ووزنه وموقع قائله.
وبنكيران ليس خطيباً عابراً في تجمع محلي، بل رئيس حكومة سابق وأمين عام حزب قاد السلطة التنفيذية لسنوات.
لذلك، فإن اقتراب خطابه من محيط المؤسسة الملكية، ولو من باب التحذير من توظيف اسمها في الصراع السياسي، كان يفرض قدراً أكبر من الانضباط اللغوي والرصانة المؤسساتية.
فالجدل لم ينفجر فقط لأن كلمة دارجة قاسية وردت في الخطاب، بل لأنها جاءت في سياق حساس يتصل بحدود الكلام السياسي حين يلامس أسماء وشخصيات قريبة من مركز القرار.
وهنا يصبح الاعتذار عن المفردة وحدها غير كافٍ لإغلاق النقاش، لأن السؤال الأعمق يظل قائماً: هل كان الأمر مجرد زلة لفظية، أم أن العبارة كشفت توتراً سياسياً أعمق اختار بنكيران التعبير عنه بلغة صادمة؟
كان بإمكان بنكيران أن يقدم نقداً سياسياً واضحاً، وأن يدافع عن ضرورة عدم إقحام المؤسسة الملكية في التجاذب الحزبي، وأن يميز بين الملكية باعتبارها مؤسسة دستورية جامعة وبين أي توظيف سياسي لاسمها.
غير أن استعمال لفظ مثير حوّل مركز النقاش من الفكرة إلى العبارة، ومن مضمون التحذير إلى حدود المقبول في الخطاب العمومي.
هنا تكمن المفارقة. بنكيران الذي أراد، على ما يبدو، أن ينتقد توظيف الرموز في الصراع السياسي، وجد نفسه في قلب عاصفة بسبب الطريقة التي صاغ بها هذا النقد.
والنتيجة أن الرسالة السياسية التي كان يريد تمريرها أصبحت محاصرة بكلمة واحدة، بينما انتقل النقاش من سؤال المضمون إلى سؤال الأسلوب.
اعتذار بنكيران، بهذا المعنى، لا يلغي الأزمة بل يعيد ترتيبها. فهو اعتذار عن اللفظ لا عن السياق، وعن الكلمة لا عن البناء السياسي للكلام.
وهذه نصف خطوة قد تهدئ جزءاً من الغضب، لكنها لا تجيب عن سؤال المسؤولية الخطابية لرجل ظل لسنوات في أعلى مراتب القرار الحكومي.
السياسي المحترف لا يملك ترف القول ثم التنصل من أثره. والكلمات، حين تصدر عن رئيس حكومة سابق، لا تبقى مجرد انفعال عابر أمام جمهور حزبي، بل تتحول إلى مادة سياسية قابلة للتأويل والتوظيف والرد.
لذلك، فإن الخطأ هنا لا يكمن فقط في اختيار لفظ غير مناسب، بل في ترك خطاب سياسي حساس رهين عبارة قادرة على ابتلاع كل ما حولها.
لقد بنى بنكيران جزءاً كبيراً من حضوره السياسي على لغة مباشرة، شعبية، حادة، وقادرة على الوصول إلى الناس بسرعة. غير أن ما كان يمنحه قوة تواصلية في لحظات معينة، قد يتحول اليوم إلى مأزق حين يتعلق الأمر بمناطق دقيقة من النقاش المؤسساتي. فالخطاب السياسي يحتاج أحياناً إلى وضوح صارم، لا إلى عبارات قابلة للانفجار.
الأزمة إذن ليست في كلمة “قندوح” وحدها، بل في حدود الأسلوب الذي يصر بنكيران على اعتماده كلما أراد رفع منسوب الضغط السياسي.
فحين تكون الرسالة خطيرة، يصبح اللفظ جزءاً من المسؤولية، لا مجرد تفصيل يمكن سحبه بتدوينة قصيرة.
سحب بنكيران الكلمة، لكنه لم يسحب السؤال هل يتعلق الأمر باعتذار حقيقي عن خطأ في التقدير، أم بمجرد محاولة لعزل العبارة عن سياقها حتى لا يسقط الموقف كله؟ وهل ما زال زعيم العدالة والتنمية قادراً على ممارسة المعارضة بمنطق رجل دولة، أم أنه يواصل الرهان على خطاب يصنع الصدمة ثم يطلب من الجميع أن يميزوا بين الضجيج والمعنى؟
ما حدث في الصويرة، وما تلاه من اعتذار، يكشف أن السياسة المغربية لم تعد تحتمل كثيراً من اللعب على حافة الكلمات.
فالمؤسسات ليست مجالاً للتلميح الخشن، والاختلاف السياسي لا يحتاج إلى قاموس جارح كي يكون قوياً.
والرسائل الثقيلة، إذا لم تُصَغ بلغة مسؤولة، قد ترتد على أصحابها قبل أن تصيب خصومهم.
لم تسقط العاصفة بسقوط الكلمة لقد سقطت كلمة “قندوح” من خطاب بنكيران، لكن بقيت وراءها حقيقة أكثر إحراجاً: حين يعتذر السياسي عن اللفظ ويتمسك بكل ما عداه، فهو لا ينهي الجدل، بل يفتح باباً أوسع للسؤال عن حدود المسؤولية في الكلام السياسي.
