أعاد وسيط المملكة، حسن طارق، وضع العلاقة بين المواطن والإدارة في صلب النقاش المؤسساتي، مؤكداً أن مهمة الوساطة لا تقتصر على معالجة التظلمات الفردية، وإنما تندرج ضمن مشروع وطني يروم بناء إدارة أكثر إنصاتاً وعدلاً وقرباً من المرتفقين.
وخلال افتتاح الدورة التكوينية السنوية لأطر مؤسسة وسيط المملكة، المنظمة بالرباط تحت شعار «التكوين رافعة للمدرسة المغربية للوساطة»، شدد طارق على أن حماية الحقوق المرفقية وتعزيز الثقة في المؤسسات يمران عبر تكريس الإنصاف والحوار واحترام المشروعية في تعامل الإدارة مع المواطنين.
ويعكس هذا الخطاب توجهاً يراد من خلاله الانتقال بالوساطة المؤسساتية من مجرد آلية لتدبير النزاعات الإدارية إلى ثقافة تقوم على تصحيح الاختلالات وإعادة التوازن إلى العلاقة بين الإدارة والمرتفق، من خلال تغليب الإنصاف على التعسف، والحوار على النزاع، والتصحيح على الجزاء.
غير أن فعالية هذا التصور لا تقاس فقط بعدد التظلمات التي تتلقاها المؤسسة أو التوصيات التي تصدرها، بل بمدى تجاوب الإدارات معها، وسرعة تنفيذها، وقدرتها على تصحيح القرارات والإجراءات التي تمس حقوق المواطنين.
وتكشف أرقام التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024 أن متوسط آجال تنفيذ التوصيات بلغ 672 يوماً، مقابل 1003 أيام خلال سنة 2023.
ورغم التحسن المسجل، فإن استغراق التنفيذ ما يقارب عامين في المتوسط يضع سرعة استجابة الإدارات أمام سؤال الفعالية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق ثبتت أحقية المواطنين فيها بعد سلوك مسار التظلم والوساطة.
وسجل التقرير نفسه معالجة 5774 تظلماً، وإصدار 1781 قرار تسوية و146 توصية جديدة، فيما استحوذت الملفات الإدارية والمالية والعقارية على أكثر من 87 في المائة من مجموع التظلمات، بما يعكس حجم الاحتكاك القائم بين المواطنين والمرافق العمومية في ملفات ترتبط مباشرة بحقوقهم ومصالحهم.
ولا يرتبط التحدي دائماً بغياب القواعد القانونية أو المؤسسات المختصة، بقدر ما يتصل أحياناً ببطء المساطر، وتأخر الرد على المراسلات، وتفاوت تجاوب الإدارات مع توصيات الوسيط، وهي اختلالات قد تُبقي المواطن أمام مسار إداري طويل حتى بعد صدور توصية بإنصافه عن مؤسسة دستورية مختصة.
وفي هذا السياق، كشف حسن طارق عن طموح المؤسسة إلى إحداث مركز وطني للوساطة المرفقية، ليشكل فضاءً للخبرة والإنتاج العلمي، ويحتضن الباحثين والأكاديميين، ويسهم في تطوير مناهج عمل الممارسين وتكوين أطر متخصصة في مجال الوساطة المؤسساتية.
يمثل المشروع خطوة مهمة في اتجاه تأهيل الموارد البشرية وإرساء مرجعية وطنية في مجال الوساطة، غير أن قيمته العملية ستظل مرتبطة بقدرته على التأثير في سلوك الإدارات، وتقليص آجال معالجة التظلمات، وتسريع تنفيذ التوصيات الصادرة عن المؤسسة.
كما تظل الحاجة قائمة إلى توضيح الإطار القانوني والتنظيمي للمركز المرتقب، وموارده البشرية والمالية، وحدود اختصاصاته، والآليات التي ستضمن تحويل الدراسات والتكوينات إلى أثر ملموس داخل المرافق العمومية.
رهان الوساطة المؤسساتية لا يقتصر على إنتاج الخبرة أو تنظيم الدورات التكوينية، وإنما يتمثل في إرساء إدارة تستجيب داخل آجال معقولة، وتعترف بأخطائها، وتصحح قراراتها، وتحول توصيات الإنصاف إلى حقوق منفذة، بما يعيد بناء الثقة بين المواطن والمرفق العمومي.
