عاد صوت الراحل محمد الوفا، الوزير السابق المكلف بالشؤون العامة والحكامة، ليلاحق الحكومة من قلب واحد من أكثر الملفات التصاقاً بجيوب المغاربة: الأسعار.
فبالتزامن مع شروع شركة «سنطرال دانون» في تطبيق زيادات جديدة على عدد من مشتقات الحليب، أعادت منصات التواصل الاجتماعي تداول مقطع مصور للوفا وهو يقول بلهجته المباشرة: «هداك مول الفرماج، والله ما يقدر يزيد فالثمن إلا ما كناش موافقين ليه».
لم يكن الوفا، بهذه العبارة، يشرح مقتضى قانونياً يلزم كل شركة بالحصول على ترخيص حكومي قبل مراجعة أسعار منتجاتها. لكنه كان يعلن موقفاً سياسياً واضحاً: الحكومة مسؤولة عما يجري داخل السوق، ولا يحق لها التحول إلى متفرج كلما مست الزيادات القدرة الشرائية للمواطنين.
منذ الثلاثاء 7 يوليوز 2026، شرعت «سنطرال دانون» في اعتماد لائحة أسعار جديدة شملت مجموعة من مشتقات الحليب، بزيادات تراوحت، بحسب لوائح توصل بها أصحاب متاجر القرب، بين 50 سنتيماً ودرهم واحد حسب المنتوج.
وأفادت منابر إعلامية، من بينها «تيل كيل عربي» و«اليوم24»، بأن القرار أثار استياء لدى المستهلكين وعدد من التجار، في وقت أعلن فيه بعض أصحاب المحلات رفض تسلم منتجات شملتها الزيادة، تجنباً للدخول في مواجهة مباشرة مع الزبناء.
قد يبدو نصف درهم مبلغاً محدوداً عند النظر إليه منفرداً، لكنه يتحول إلى زيادة ثقيلة عند احتساب نسبته من السعر الأصلي.
فالانتقال من ثلاثة دراهم إلى ثلاثة دراهم ونصف يمثل ارتفاعاً بنحو 16.7 في المائة، فيما تعادل إضافة درهم إلى منتوج ثمنه خمسة دراهم زيادة بنسبة 20 في المائة دفعة واحدة.
ولا يتعلق الأمر بسلع كمالية نادرة الاستهلاك، بل بمنتجات حاضرة بانتظام داخل سلة مشتريات الأسر، ويستهلك جزء مهم منها الأطفال. لذلك يصعب اختزال القرار في علاقة تجارية خاصة بين شركة وزبنائها، لأن أثره يمتد مباشرة إلى القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين.
بعد أيام من دخول الأسعار الجديدة حيز التطبيق، وجهت جمعية «مغرب المستقبل» مراسلة إلى رئيس مجلس المنافسة أحمد رحو، طالبت من خلالها بفتح بحث بشأن ما وصفته بشبهة ممارسات منافية لقواعد المنافسة، من بينها احتمال الاستغلال التعسفي لوضع مهيمن أو وجود ممارسات منسقة تخل بالسوق.
وبحسب ما أورده موقع «مدار21»، وجهت الجمعية نسخاً من مراسلتها إلى رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والصناعة والتجارة والاقتصاد والمالية، مطالبة بالتحقق من مدى وجود مبررات اقتصادية حقيقية للزيادات الجديدة.
اللجوء إلى مجلس المنافسة مفهوم من الناحية القانونية، لأن هذه المؤسسة مختصة بالبحث في الاتفاقات المنافية للمنافسة والاستغلال التعسفي للوضع المهيمن والممارسات التي يمكن أن تعرقل السير العادي للسوق.
لكن وصول الملف إلى مكتب أحمد رحو لا يلغي السؤال السياسي الأكثر إلحاحاً: لماذا انتظرت الحكومة تحرك جمعية مدنية حتى يصبح رفع أسعار منتجات استهلاكية واسعة الانتشار موضوعاً للنقاش المؤسساتي؟
مجلس المنافسة لا يحدد ما إذا كان ثمن علبة الياغورت مناسباً لجيب المواطن، ولا يعاقب شركة لمجرد أن أسعارها أصبحت مرتفعة. فالزيادة، مهما كانت ثقيلة اجتماعياً، لا تشكل في حد ذاتها دليلاً تلقائياً على ارتكاب مخالفة.
إثبات الاستغلال التعسفي يقتضي تحديد السوق المعنية، وقياس القوة الاقتصادية للشركة، وفحص البدائل المتاحة أمام المستهلك، ثم إثبات استعمال هذه القوة بطريقة تعرقل المنافسة أو تحرف سيرها.
أما الحديث عن اتفاقات أو ممارسات منسقة، فيحتاج بدوره إلى قرائن على وجود تنسيق بين فاعلين مستقلين داخل السوق، وليس فقط إلى ملاحظة أن شركة واحدة رفعت أسعار مجموعة من منتجاتها.
الحكومة، في المقابل، ليست مطالبة بانتظار اكتمال تحقيق تنافسي معقد حتى تتحرك.
كان بإمكان وزارة الصناعة والتجارة أن تطلب من الشركة تفسيراً اقتصادياً واضحاً للزيادات، وأن تكشف للرأي العام ما إذا كانت مصالحها قد تحققت من احترام قواعد إشهار الأسعار وحقوق المستهلك والممارسات التجارية المعمول بها.
وكان من حق المغاربة أن يعرفوا ما إذا كانت تكاليف الحليب الخام أو الأعلاف أو التغليف أو الطاقة أو النقل قد ارتفعت بالمستوى الذي يبرر زيادات بلغت في بعض المنتجات قرابة 20 في المائة، أم أن الأمر يتعلق بقرار تجاري اتخذته الشركة مستفيدة من موقعها داخل السوق.
قد لا تكون الحكومة ملزمة قانوناً بالموافقة المسبقة على كل زيادة، لكنها ملزمة سياسياً بالتحقق من مبرراتها، وشرح موقفها، والتدخل عندما تظهر مؤشرات على اختلال السوق أو الإضرار الواسع بالمستهلك.
بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، اعتبر في تصريح نقله «تيل كيل عربي» أن «سنطرال دانون» تمثل الفاعل الرئيسي الذي يقود توجهات سوق الحليب، وأن باقي الشركات غالباً ما تحذو حذوها.
كما رأى أن الظرفية الحالية لا تقدم، في تقديره، مبرراً واضحاً لهذه الزيادات، داعياً الحكومة إلى التدخل كلما تعلق الأمر بالإضرار بحقوق المستهلك أو بعدم احترام القانون.
هذا الموقف لا يمثل حكماً نهائياً على الشركة، ولا يعفي الجهات المختصة من فحص المعطيات الاقتصادية الحقيقية، لكنه يضع الحكومة أمام واجب تقديم الأرقام التي تثبت وجود مبررات موضوعية للزيادة أو تنفيها، بدل ترك النقاش رهين التخمينات والغضب الرقمي ودعوات المقاطعة.
قانون حرية الأسعار والمنافسة يجعل تحديد الأسعار عن طريق المنافسة الحرة هو الأصل، باستثناء السلع والخدمات المنظمة بنص خاص.
لكنه لا يحول الحكومة إلى مراقب صامت، ولا يسقط عنها مسؤولية تتبع الأسواق والتحقق من شفافية الزيادات وحماية المستهلك من الممارسات غير المشروعة.
كما يتيح القانون للإدارة، بعد استشارة مجلس المنافسة، اتخاذ تدابير مؤقتة ضد الارتفاع الفاحش في الأسعار عندما تفرض ذلك ظروف استثنائية أو وضعية غير عادية بشكل واضح داخل سوق أو قطاع معين.
قد تعتبر الحكومة أن شروط هذا التدخل الاستثنائي غير متوافرة في حالة «سنطرال دانون»، وهذا موقف يمكن مناقشته. وقد تعتبر أن الزيادات ناتجة عن ارتفاع حقيقي في الكلفة، لكن عليها أن تعرض المعطيات التي تبرر ذلك.
وقد ترى أن الملف يثير شبهة تنافسية، وعندها يمكنها أن تدفع نحو فتح بحث مؤسساتي بدل انتظار مراسلات الجمعيات.
أما الصمت، فلا يشرح الأسعار، ولا يحمي المنافسة، ولا يخفف العبء عن الأسر.
المفارقة أن خطاب محمد الوفا، رغم بساطته وحدته، كان يضع المسؤولية في عنوانها السياسي الصحيح. فعندما أقسم أن «مول الفرماج» لن يزيد دون موافقة الحكومة، لم يكن يقدم قراءة قانونية للسوق بقدر ما كان يقول للمغاربة إن السلطة التنفيذية مسؤولة أمامهم عما يقع في الأسعار.
أما اليوم، فقد ارتفعت الأسعار، وتحرك التجار والمستهلكون، وانتشرت دعوات المقاطعة، وراسلت جمعية مجلس المنافسة، بينما لم تقدم الحكومة تفسيراً يوازي حجم الجدل.
والسؤال عن «الضوء الأخضر» لا يفترض بالضرورة وجود ترخيص حكومي مكتوب، بل يضع حكومة عزيز أخنوش أمام مسؤوليتها السياسية: هل تحققت من مبررات الزيادة؟ هل طلبت توضيحات من الشركة؟ وهل تعتبر ما وقع عادياً داخل سوق يفترض أن تحكمه المنافسة والشفافية؟
مجلس المنافسة مطالب بفحص الشبهات التي تدخل ضمن اختصاصه، و«سنطرال دانون» مطالبة بتفسير الأسس الاقتصادية لزياداتها، لكن الحكومة تبقى الجهة المطالبة قبل الجميع بالإجابة عن السؤال الذي أعاده الراحل محمد الوفا إلى الواجهة:
من يراقب الأسعار اليوم: الحكومة أم «مول الفرماج»؟
