بقلم: الباز عبدالإله
لا تقدم الحسابات الجهوية لسنة 2024 مجرد خريطة تقنية لتوزيع الناتج الداخلي الإجمالي، بل ترسم صورة رقمية صارمة لاقتصاد ما تزال الثروة داخله شديدة التركز في عدد محدود من المراكز الحضرية والصناعية، رغم سنوات من الحديث الرسمي عن الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية وتقليص الفوارق الترابية.
حقق الاقتصاد المغربي خلال سنة 2024 نمواً بنسبة 4.4 في المائة، وبلغ الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية نحو 1614.57 مليار درهم، بارتفاع قدره 8.7 في المائة مقارنة بسنة 2023، وفق معطيات وصفتها المندوبية السامية للتخطيط بأنها شبه نهائية.
غير أن هذا الرقم الوطني الكبير يفقد جانباً من بريقه بمجرد تفكيكه جغرافياً، لأن التحدي لا يتعلق فقط بحجم الثروة المنتجة، بل بالمجالات التي تنتجها والجهات التي تظل بعيدة عن مراكز الاستثمار وفرص الشغل وخلق القيمة.
أنتجت جهة الدار البيضاء–سطات وحدها 520.89 مليار درهم، أي 32.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني.
وبلغ ناتج الرباط–سلا–القنيطرة نحو 250 مليار درهم، بحصة قدرها 15.5 في المائة، فيما أنتجت طنجة–تطوان–الحسيمة قرابة 172 مليار درهم، بما يعادل 10.7 في المائة.
ثلاث جهات فقط أنتجت بذلك 58.4 في المائة من الثروة الوطنية، بينما تقاسمت الجهات التسع الأخرى 41.6 في المائة.
ولا يتعلق الأمر بفارق محدود تفسره الاختلافات الطبيعية في الموارد والإمكانات، بل بتركيز هيكلي يجعل أكثر من نصف الاقتصاد الوطني مرتبطاً بثلاثة أقطاب رئيسية.
في المقابل، لم تتجاوز مساهمة درعة–تافيلالت والجهات الجنوبية الثلاث، كلميم–واد نون والعيون–الساقية الحمراء والداخلة–وادي الذهب، مجتمعة 7.8 في المائة من الناتج الوطني، رغم اتساع مجالها الترابي وحجم حاجياتها التنموية.
الأكثر إحراجاً للسياسات العمومية أن الفوارق لم تتجه نحو الانكماش، بل اتسعت بين سنتي 2023 و2024.
فقد ارتفع متوسط الفارق المطلق بين الناتج الداخلي الإجمالي للجهات ومتوسط الناتج الجهوي من 83.6 مليار درهم إلى 90.9 مليار درهم، أي بزيادة بلغت 7.3 مليارات درهم خلال سنة واحدة.
يضع هذا المؤشر خطاب العدالة المجالية أمام اختبار النتائج. فالاقتصاد قد يسجل نمواً وطنياً إيجابياً، لكن ذلك لا يكفي لإثبات نجاح السياسات الترابية، ما دامت المسافة تتسع بين الجهات التي تستقطب الصناعة والتمويل والخدمات والبنيات الأساسية، وتلك التي ما تزال على هامش دورة إنتاج الثروة.
النمو الذي يرفع الناتج الوطني، لكنه يوسع الفجوة بين المجالات، لا يمثل نجاحاً كاملاً.
فقد يكبر الاقتصاد في مجموعه، بينما تظل ثماره مركزة في المناطق نفسها، وتتعمق جاذبية الأقطاب الكبرى على حساب المجالات الأضعف اقتصادياً.
ويظهر هذا التركز بصورة أكثر حدة داخل القطاع الثانوي، الذي يضم الصناعة التحويلية والمعادن والطاقة والماء والبناء.
فقد أنتجت الدار البيضاء–سطات وحدها 45.9 في المائة من القيمة المضافة الوطنية لهذا القطاع، فيما ساهمت طنجة–تطوان–الحسيمة بنسبة 14 في المائة.
الجهتان استحوذتا بذلك على 59.9 في المائة من القيمة المضافة الوطنية للأنشطة الثانوية، ما يعني أن ما يقارب ستة أعشار هذه القيمة تتركز داخل جهتين فقط.
أما الأنشطة الثالثية، التي تشمل التجارة والسياحة والخدمات السوقية وغير السوقية، فقد تركز 66.2 في المائة من قيمتها المضافة في أربع جهات، هي الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة ومراكش–آسفي وطنجة–تطوان–الحسيمة.
تكشف هذه الأرقام أن الخلل لا يتعلق فقط بتفاوت المداخيل، بل بتوزيع أدوات إنتاج الدخل نفسه، من مصانع وشركات كبرى ومؤسسات مالية وإدارات مركزية وموانئ وبنيات لوجستيكية وخدمات تجارية وسياحية.
قد تعرض الحكومة لوائح طويلة للمشاريع والطرق والمناطق الصناعية والاعتمادات المرصودة، لكن المعيار الحقيقي لا يكمن في عدد الأوراش المعلنة، بل في قدرتها على تغيير الخريطة الاقتصادية للمملكة.
هل نجحت هذه السياسات فعلاً في نقل جزء من الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة وفرص الشغل المستقرة إلى الجهات التي ظلت لعقود خارج المراكز التقليدية للثروة؟ الأرقام لا تقدم جواباً مريحاً.
وتزداد الصورة وضوحاً عند الانتقال إلى نصيب الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، الذي بلغ متوسطه الوطني 43 ألفاً و891 درهماً خلال سنة 2024، بينما بقيت سبع جهات من أصل اثنتي عشرة تحت هذا المستوى.
وسُجل أدنى نصيب في مراكش–آسفي، بما لا يتجاوز 28 ألفاً و692 درهماً للفرد، تليها درعة–تافيلالت بـ29 ألفاً و115 درهماً، ثم فاس–مكناس بـ29 ألفاً و509 دراهم.
في المقابل، بلغ نصيب الفرد 92 ألفاً و904 دراهم في الداخلة–وادي الذهب، و73 ألفاً و718 درهماً في العيون–الساقية الحمراء، و67 ألفاً و859 درهماً في الدار البيضاء–سطات.
ولم تتراجع هذه الفجوة، بل ارتفع متوسط الفارق المطلق في نصيب الفرد بين الجهات من 14 ألفاً و853 درهماً سنة 2023 إلى 15 ألفاً و560 درهماً سنة 2024.
لا يعني الناتج الداخلي للفرد أن كل مواطن يتقاضى هذا المبلغ، ولا يكشف كيفية توزيع الثروة بين سكان الجهة الواحدة، لكنه يظل مؤشراً أساسياً على حجم النشاط الاقتصادي والإنتاج المتاح داخل كل مجال ترابي.
كما يكشف الفجوة بين الجهات التي تحتضن القطاعات الأعلى إنتاجية والأكثر جذباً للاستثمار، وتلك التي تعتمد على أنشطة موسمية أو محدودة القيمة المضافة.
قد يبدو تسجيل ثماني جهات نمواً يفوق المتوسط الوطني مؤشراً إيجابياً، بعدما حققت العيون–الساقية الحمراء نمواً بنسبة 7.6 في المائة، والداخلة–وادي الذهب 7 في المائة، وسوس–ماسة 6.8 في المائة.
غير أن نسبة النمو وحدها لا تكفي لقياس التحول الاقتصادي، لأنها تتأثر بحجم قاعدة الانطلاق.
فالدار البيضاء–سطات، رغم نموها بنسبة 4.3 في المائة فقط، ساهمت بـ1.4 نقطة في النمو الوطني، بينما لم تتجاوز مساهمة الداخلة–وادي الذهب 0.1 نقطة، رغم تسجيلها نمواً بنسبة 7 في المائة.
تعني هذه المفارقة أن الجهات محدودة الوزن الاقتصادي قد تحقق نسب نمو مرتفعة، من دون أن يتغير ميزان إنتاج الثروة بصورة جوهرية، لأن قوة المراكز الكبرى تظل كافية للحفاظ على الخريطة نفسها.
حتى استهلاك الأسر يعيد إنتاج التفاوت ذاته.
فقد بلغت نفقات الاستهلاك النهائي للأسر 944.1 مليار درهم، استحوذت خمس جهات على 74.4 في المائة منها، بينما تقاسمت الجهات السبع المتبقية 25.6 في المائة فقط.
واستحوذت الدار البيضاء–سطات وحدها على 25.3 في المائة من الاستهلاك الوطني للأسر، تليها الرباط–سلا–القنيطرة بنسبة 14.8 في المائة، ثم طنجة–تطوان–الحسيمة بـ11.6 في المائة.
كما ارتفع متوسط الفارق المطلق لنفقات الاستهلاك بين الجهات من 48.5 مليار درهم إلى 51.5 مليار درهم، وانتقل التفاوت في الاستهلاك الفردي من 3423 درهماً إلى 3609 دراهم.
وحيث تتركز فرص الشغل والدخل والاستثمار، تتركز القدرة الشرائية والأسواق والخدمات، فتنجذب إليها استثمارات جديدة، بينما تظل الجهات الأضعف عالقة في حلقة من ضعف الإنتاج والدخل والاستهلاك والجاذبية الاقتصادية.
لا يمكن تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية اختلالات تراكمت على مدى عقود، لكن لا يمكنها أيضاً الاكتفاء بإدارة هذا الإرث أو الاحتماء بارتفاع الناتج الوطني لتقديم حصيلة وردية.
أرقام سنة 2024 تخص فترة تقع بالكامل داخل ولايتها، وتضعها أمام مسؤولية سياسية واضحة، بعدما أظهرت أن الفوارق الجهوية في إنتاج الثروة ونصيب الفرد والاستهلاك لم تتراجع، بل اتجهت نحو مزيد من الاتساع.
نجاح السياسة الحكومية لا يُقاس فقط بحجم الثروة التي يضيفها الاقتصاد، بل بقدرتها على تغيير الخريطة التي تُنتج داخلها هذه الثروة.
وما تكشفه حسابات المندوبية السامية للتخطيط هو أن المغرب ينمو، لكن ثماره ما تزال شديدة التركز: جهة واحدة تنتج قرابة الثلث، وثلاث جهات تنتج أكثر من نصف الناتج الوطني، وسبع جهات تعجز عن بلوغ المتوسط.
هذه ليست مجرد فوارق محاسبية بين الجهات، بل صورة اقتصاد بسرعات متعددة، يراكم القوة والإمكانات في مراكز محددة، ويترك مساحات واسعة تنتظر أن تتحول العدالة المجالية من شعار سياسي متكرر إلى نتيجة اقتصادية قابلة للقياس.
