بقلم: الباز عبدالإله
كرّس الأمر الملكي القاضي بتفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات استمرار النموذج المؤسساتي الذي يجمع بين وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة في السهر على سلامة وصدق العملية الانتخابية، في أفق انتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر يوم 23 شتنبر 2026.
وتتألف اللجنة المركزية من وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ورئيس النيابة العامة هشام البلاوي، على أن يمتد عملها ترابياً عبر لجان جهوية تضم الولاة والوكلاء العامين للملك، ولجان إقليمية تتكون من العمال ووكلاء الملك.
وجاء الإعلان عن تفعيل هذه الآلية عقب اجتماعين عقدهما لفتيت، يوم الثلاثاء 14 يوليوز 2026، مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية، خُصصا لاستعراض التدابير التنظيمية والعملية المرتبطة بالاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وستتولى اللجنة المركزية السهر على ضمان سلامة وصدق العملية الانتخابية في مختلف مراحلها، بينما تضطلع اللجان الجهوية والإقليمية بتتبع العمليات على المستوى الترابي، بما يتيح تنسيق التدخل بين الإدارة الترابية والنيابة العامة عند رصد أفعال أو ممارسات قد تمس بنزاهة المنافسة.
ولا تمثل هذه التركيبة تحولاً جديداً مقارنة بالاستحقاقات السابقة، إذ سبق أن تشكلت اللجنة المركزية لتتبع انتخابات 2021 من وزير الداخلية ورئيس النيابة العامة، تنفيذاً لأمر ملكي يتعلق بالسهر على سلامة العمليات الانتخابية والتصدي للممارسات التي قد تسيء إليها.
وكان عبد الوافي لفتيت يمثل وزارة الداخلية داخل لجنة 2021، فيما كان مولاي الحسن الداكي يتولى آنذاك رئاسة النيابة العامة. ويتمثل التغيير هذه المرة في انتقال تمثيل هذه المؤسسة إلى هشام البلاوي، مع بقاء الهندسة العامة للجنة قائمة على الجمع بين الإدارة الترابية والسلطة القضائية المختصة بالأبحاث والمتابعات.
وتعني هذه الصيغة عملياً أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير العدل عبد اللطيف وهبي ليسا عضوين في اللجنة، غير أن الأمر لا يتعلق بقرار جديد لإبعادهما، كما لا يفيد بأن الأمر الملكي استهدفهما بالاسم، بل باستمرار النموذج المؤسساتي نفسه الذي اعتمد خلال استحقاقات 2021.
ويكتسي عدم عضوية رئيس الحكومة دلالة سياسية بالنظر إلى تولي أخنوش، في الوقت نفسه، رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، أحد أبرز الأطراف المتنافسة في الاقتراع المقبل.
وتوفر هذه المسافة المؤسساتية فصلاً أوضح بين رئاسة الحكومة والمنافسة الحزبية، وتجنب أي التباس قد ينتج عن الجمع بين قيادة حزب مشارك في الانتخابات والعضوية في الجهاز المكلف بتتبع سلامتها.
أما عدم تمثيل وزارة العدل، فيرتبط باستقلال النيابة العامة عن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وانتقال الاختصاصات المتعلقة بالإشراف على قضاتها إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة.
وتختلف هذه الصيغة عن النموذج المعتمد قبل استقلال النيابة العامة، حين تشكلت اللجنة المركزية سنة 2015 من وزير الداخلية محمد حصاد ووزير العدل والحريات مصطفى الرميد، في مرحلة كان فيها وزير العدل يتولى الإشراف على النيابة العامة.
وبعد انتقال هذه الاختصاصات، حل رئيس النيابة العامة مؤسساتياً محل وزير العدل داخل آلية تتبع الانتخابات.
غير أن إعادة اعتماد تركيبة الداخلية والنيابة العامة لا تشكل، في حد ذاتها، ضمانة كافية لنزاهة انتخابات 2026.
فصدقية اللجنة ستتحدد بقدرتها على التدخل السريع والمتكافئ عند رصد استعمال المال لاستمالة الناخبين، أو تسخير الوسائل العمومية، أو استغلال النفوذ والمسؤوليات الحكومية والانتدابية للتأثير في المنافسة.
كما سيخضع عملها لاختبار سرعة معالجة الشكايات والبلاغات، ووضوح الإجراءات المتخذة بشأنها، ومدى تطبيق القانون بالصرامة نفسها على مرشحي الأغلبية والمعارضة.
فاستمرار النموذج المؤسساتي المعتمد منذ انتخابات 2021 يمنح اللجنة تجربة متراكمة، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية إثبات حيادها وفعاليتها على أرض الواقع خلال مختلف مراحل اقتراع 2026.
