بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد خطر مقاومة المضادات الحيوية محصوراً داخل غرف الإنعاش وأقسام المستشفيات الكبرى.
دراسة علمية جديدة، استندت إلى معطيات مختبرات تشخيصية حضرية في جنوب المغرب، كشفت أن 29 عزلة من أصل 49 عزلة لبكتيريا «الزائفة الزنجارية» كانت متعددة المقاومة، بما يعادل 59.2 في المائة من مجموع العزلات التي شملها البحث.
الرقم لا يسمح بتعميم النتيجة على سكان جنوب المغرب، ولا يعني أن 59 في المائة من المرضى يحملون بكتيريا مقاومة.
لكنه يقدم إشارة مخبرية مقلقة بشأن قدرة واحدة من أكثر البكتيريا صعوبة في العلاج على مقاومة عدة فئات من المضادات الحيوية، ضمن عينات جُمعت من مختبرات تشخيصية حضرية خارج أقسام الاستشفاء والإنعاش.
نُشرت الدراسة يوم الثلاثاء 14 يوليوز 2026 في مجلة «Microbiology Research» العلمية التابعة لدار النشر MDPI، تحت عنوان «وبائيات الزائفة الزنجارية متعددة المقاومة المرتبطة بالمجتمع والمعزولة من مختبرات تشخيصية حضرية في جنوب المغرب».
واعتمد الباحثون مقاربة استعادية متعددة المراكز، بهدف دراسة توزيع العزلات وأنماط مقاومتها للمضادات الحيوية المستعملة في العلاج.
عالجت المختبرات المشاركة، خلال الفترة التي شملها البحث، ما مجموعه 13 ألفاً و230 عينة سريرية، أسفرت عن 3357 زرعاً إيجابياً، بنسبة 25.4 في المائة.
واختار الباحثون من هذه النتائج 49 عزلة مؤكدة وغير مكررة من بكتيريا «Pseudomonas aeruginosa»، قبل إخضاعها لتحليل أنماط الحساسية والمقاومة تجاه مجموعة من المضادات الحيوية.
تُعرف «الزائفة الزنجارية» بكونها بكتيريا انتهازية قادرة على التسبب في التهابات مختلفة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون ضعف المناعة أو أمراضاً مزمنة، كما قد ترتبط بالتهابات المسالك البولية والجروح والجهاز التنفسي.
وتزداد خطورتها عندما تكتسب مقاومة لعدة أدوية، لأن الخيارات العلاجية المتاحة أمام الطبيب تصبح أضيق وأكثر كلفة وتعقيداً.
أهمية الدراسة المغربية الجديدة تكمن في تركيزها على عزلات جُمعت عبر مختبرات تشخيصية حضرية، وليس حصراً من مرضى موجودين داخل أقسام المستشفيات والإنعاش.
غير أن وصفها بأنها «مرتبطة بالمجتمع» يظل مرتبطاً بمنهجية البحث، ولا يكفي وحده للجزم بأن جميع الإصابات اكتُسبت خارج المؤسسات الصحية أو بعيداً عن أي رعاية طبية سابقة.
أظهرت النتائج أن 29 عزلة من أصل 49 استوفت معايير المقاومة المتعددة للأدوية، بنسبة بلغت 59.2 في المائة، وبهامش ثقة إحصائي تراوح بين 45.4 و72 في المائة.
وتعني المقاومة المتعددة، في هذا السياق، أن البكتيريا لم تعد تستجيب إلى عدد من المضادات المنتمية إلى فئات علاجية مختلفة، وليس إلى دواء واحد فقط.
احتلت عينات البول المرتبة الأولى بين مصادر العزلات متعددة المقاومة، إذ جاءت منها 17 عزلة من مجموع 29.
وسجلت عينات القيح بدورها نسبة لافتة، بعدما تبين أن ست عزلات من أصل ثماني عزلات مأخوذة من القيح كانت متعددة المقاومة.
وتربط هذه النتائج جزءاً مهماً من الخطر بالتهابات المسالك البولية والجروح أو الالتهابات المصحوبة بالقيح.
كشفت اختبارات الحساسية عن مستويات مرتفعة للمقاومة تجاه عدد من المضادات الحيوية.
فقد وصلت المقاومة تجاه «تيكارسيلين» إلى 69.4 في المائة، وبلغت 63.3 في المائة بالنسبة إلى «سيفتازيديم»، بينما سجل «ميروبينيم» أعلى نسبة ضمن الأدوية الواردة في النتائج، بمقاومة بلغت 79.6 في المائة.
تثير مقاومة «ميروبينيم» اهتماماً خاصاً، لأنه ينتمي إلى عائلة «الكاربابينيمات»، وهي مضادات واسعة الطيف تُستخدم عادة في مواجهة إصابات بكتيرية خطيرة أو مقاومة لخيارات علاجية أخرى.
وارتفاع المقاومة تجاه دواء من هذا المستوى لا يعني انعدام العلاج بصورة نهائية، لكنه يقلص هامش الاختيار ويرفع أهمية التشخيص المخبري الدقيق قبل تحديد الوصفة.
سجلت الدراسة، في المقابل، تفاوتاً واضحاً داخل العائلة العلاجية نفسها، إذ كانت مقاومة «إيميبينيم» أقل بكثير من المقاومة المسجلة تجاه «ميروبينيم».
ولا ينبغي تحويل هذا الفرق إلى توصية علاجية عامة، لأن اختيار المضاد الحيوي يعتمد على حالة كل مريض، ومكان الإصابة، ونتائج الزرع المخبري، وتركيز الدواء وآليات المقاومة التي تحملها البكتيريا.
تضع منظمة الصحة العالمية «الزائفة الزنجارية» المقاومة للكاربابينيمات ضمن البكتيريا ذات الأولوية المرتفعة في قائمتها المحدثة لسنة 2024.
ورغم نقلها من فئة الأولوية الحرجة التي كانت مدرجة فيها سنة 2017، شددت المنظمة على أن الاستثمار في البحث والوقاية والمراقبة ما يزال ضرورياً بالنظر إلى العبء الصحي الذي تسببه هذه البكتيريا.
قدّر تقرير عالمي للمراقبة، أصدرته المنظمة سنة 2025، أن إصابة بكتيرية واحدة من كل ست إصابات شائعة ومؤكدة مختبرياً خلال سنة 2023 كانت مقاومة للعلاج بالمضادات الحيوية.
كما سجل ارتفاع المقاومة بين سنتي 2018 و2023 في أكثر من 40 في المائة من التركيبات التي تجمع بين نوع البكتيريا والمضاد المراقب، بزيادة سنوية متوسطة تراوحت بين 5 و15 في المائة.
تضع نتائج جنوب المغرب منظومة الترصد أمام أسئلة عملية تتجاوز نشر الدراسات العلمية.
فالمختبرات التشخيصية تنتج يومياً معطيات يمكن تحويلها إلى خرائط إقليمية للمقاومة، تساعد الأطباء على معرفة المضادات التي ما تزال فعالة داخل كل منطقة، وتكشف مبكراً أي تغير مفاجئ في سلوك البكتيريا.
غياب معطيات محلية محدثة قد يدفع إلى وصف علاجات تجريبية بناء على أنماط وطنية أو دولية لا تعكس دائماً الوضع داخل المدينة أو الجهة.
أما تجميع نتائج المختبرات وتحليلها بانتظام، فيسمح بإعداد خرائط للحساسية البكتيرية تساعد على ترشيد الوصفات وتقلل استعمال المضادات الواسعة الطيف عندما لا تكون ضرورية.
لا يمكن فصل هذا الملف عن طريقة استعمال المضادات الحيوية. فالاستخدام دون حاجة طبية، أو بجرعات ومدد غير ملائمة، يسهم في زيادة الضغط الانتقائي الذي يساعد السلالات المقاومة على البقاء والانتشار.
ولا يتحمل المريض المسؤولية وحده، لأن مواجهة المقاومة تقتضي أيضاً تحسين وصف الأدوية، وتوسيع الولوج إلى التحاليل، ومراقبة استعمال المضادات داخل المؤسسات الصحية، وتكوين المهنيين، والحد من الاستخدام غير المنضبط في قطاعات أخرى.
تكشف الدراسة كذلك أهمية عدم معالجة التهابات البول والجروح بصورة آلية.
وجود 17 عزلة متعددة المقاومة في عينات البول لا يعني أن جميع التهابات المسالك البولية خطيرة أو مقاومة، لكنه يبرز الحاجة إلى اللجوء إلى الزرع والتحليل عندما تكون الإصابة متكررة أو معقدة أو لا تستجيب للعلاج الأولي.
تظل حدود البحث واضحة فالدراسة قامت على 49 عزلة فقط، جُمعت من مختبرات حضرية مشاركة في جنوب المغرب، ولذلك لا يمكن اعتماد نتائجها لتقدير معدل الانتشار الوطني أو مقارنتها مباشرة بجميع جهات المملكة.
كما أن العزلة البكتيرية ليست مرادفاً للمريض، ولا تعكس وحدها عدد الإصابات وسط السكان.
صغر العينة لا يلغي قيمة الإشارة التي تحملها النتائج، فقد أظهر البحث أن أكثر من نصف العزلات التي وقع تحليلها كانت متعددة المقاومة، وأن المقاومة طالت أدوية قوية يفترض أن تحتفظ بدور مهم في مواجهة الإصابات المعقدة.
وتبرر هذه المعطيات توسيع الدراسات لتشمل عدداً أكبر من المختبرات والمرضى والجهات، مع استخدام التحليل الجيني لتحديد آليات المقاومة ومسارات انتشارها.
المعركة ضد مقاومة المضادات الحيوية لا تُحسم باكتشاف دواء جديد كلما فقد دواء قديم فعاليته.
الحماية تبدأ من التشخيص الصحيح، والوصفة المبنية على الدليل المخبري، واستعمال المضاد عند الضرورة فقط، ثم تحويل نتائج المختبرات المتفرقة إلى منظومة إنذار قادرة على رصد الخطر قبل أن تصبح خيارات العلاج أضيق من قدرة البكتيريا على المقاومة.
