وضعت التنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الأحزاب السياسية أمام امتحان إنساني وسياسي يسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، داعية أمناءها العامين ورؤساءها إلى إعلان موقف واضح من الإدماج الاجتماعي والصحي لقدماء المعتقلين، وجبر الأضرار التي خلفتها سنوات الاعتقال واستمرت آثارها بعد انتهاء العقوبات والخروج من السجون.
واختارت التنسيقية مخاطبة الأحزاب في لحظة تستعد فيها لطلب أصوات المواطنين وثقتهم، مؤكدة أنها لا تبحث عن دعم انتخابي، ولا تسعى إلى وضع الأحزاب أمام اصطفاف سياسي أو مطالبتها بتبني مواقف أيديولوجية مرتبطة بالماضي، بل تطرح ما وصفته بـ«سؤال حياة وكرامة».
وقالت التنسيقية في رسالتها الموجهة إلى الأمناء العامين ورؤساء الأحزاب السياسية المغربية المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة: «نكتب إليكم فقط لنطرح عليكم سؤالاً بسيطاً لكنه بالنسبة إلينا ولأسرنا سؤال حياة وكرامة: ماذا ستفعلون من أجل مواطنين قضوا سنوات من أعمارهم في السجون، ثم خرجوا منها ليجدوا أن العقوبة انتهت قانوناً، لكنها لم تنته اجتماعياً وإنسانياً؟».
وتنقل الرسالة ملف قدماء المعتقلين من دائرة النقاش المرتبط بالماضي إلى سؤال المسؤولية الحالية للدولة والأحزاب والمؤسسات، بعدما أكدت التنسيقية أنها حاولت طرق أبواب المؤسسات، وتواصلت مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان لمناقشة قضايا جبر الضرر والإدماج الاجتماعي والصحي، لكنها «لم تجد إلى اليوم الإنصات الذي كانت تنتظره».
كما أوضحت أنها حاولت الوصول إلى الأحزاب السياسية باعتبارها جزءاً من الوساطة بين المجتمع والدولة، ومن واجبها أن تسمع أيضاً إلى الفئات التي لا تمتلك، بحسب تعبير الرسالة، «قوة الضغط ولا النفوذ ولا المنبر»، غير أنها وجدت نفسها أمام «صمت أو تردد أو أبواب مغلقة».
وشددت التنسيقية على أنها لا تضع الملف أمام الأحزاب باعتباره قضية فئة تبحث عن امتياز، بل باعتباره «اختباراً حقيقياً لمعنى دولة القانون، ولقدرة المجتمع السياسي على النظر إلى الإنسان بعد انتهاء العقوبة»، مؤكدة أنها لا تطلب من الأحزاب تبني أخطاء الماضي أو الدفاع عن أفكار ومواقف قد تختلف معها، ولا إعادة كتابة التاريخ.
وطالبت الرسالة قادة الأحزاب بأن ينظروا أولاً إلى الإنسان الذي خرج من السجن، وإلى الأب الذي عاد إلى أسرته بعد سنوات من الغياب، وإلى الأم التي تحملت وحدها أعباء الأسرة، وإلى الأبناء الذين كبروا بعيداً عن آبائهم، فضلاً عن المعتقل السابق الذي عاد إلى المجتمع حاملاً آثاراً نفسية واجتماعية وصحية واقتصادية «لا تنتهي بمجرد فتح باب السجن».
واختصرت التنسيقية استمرار معاناة هذه الفئة في سؤال مباشر: «كيف نبدأ حياة جديدة ونحن لا نزال ندفع ثمن مرحلة انتهت؟»، معتبرة أن الحديث المتكرر في المغرب عن الإدماج وإعادة الإدماج وحقوق الإنسان ومعالجة آثار الماضي وبناء مجتمع متماسك، لم يتحول بعد إلى أجوبة ملموسة بالنسبة إلى عدد من قدماء المعتقلين وأسرهم.
وتساءلت الرسالة: «أين هو الإدماج الاجتماعي؟ أين هو الإدماج الصحي؟ أين هو الاعتراف بالآثار التي خلفتها سنوات الاعتقال؟ وأين هو النقاش الجدي حول جبر الضرر بالنسبة إلى من وجدوا أنفسهم، بعد الإفراج، أمام آثار ممتدة على حياتهم وأسرهم ومستقبلهم؟».
وربطت التنسيقية توقيت رسالتها بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية، موضحة أن الأحزاب ستطلب قريباً من المواطنين أصواتهم وثقتهم، ومن حق الناخب، قبل أن يمنح صوته، أن يعرف موقف الحزب الذي يطلب ثقته من قضايا المواطنين الموجودين على هامش الاهتمام السياسي.
وأكد أصحاب الرسالة أنهم لا يدعون قدماء المعتقلين أو أسرهم إلى التصويت لصالح حزب بعينه، ولا يطلبون من الأحزاب تبني خطاب التنسيقية أو الدخول في مواجهة مع أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، بل يطالبونها بالاستماع إلى ممثليهم والاطلاع على ملفهم وشهاداتهم، والسؤال عن أوضاعهم الاجتماعية والصحية، قبل اتخاذ موقف «بحرية ومسؤولية».
وحذرت التنسيقية من أن يتحول الصمت الحزبي إلى موقف سياسي في حد ذاته، معتبرة أن «الصمت السياسي أمام معاناة اجتماعية لا يلغي المشكلة، وإنما يؤجلها»، وداعية الأحزاب إلى التعامل مع ملف المعتقلين السابقين باعتباره جزءاً من ملفات الإدماج والعدالة الاجتماعية وجبر الضرر.
وقالت الرسالة إن العقوبات انتهت بالنسبة إلى كثير من قدماء المعتقلين منذ سنوات، متسائلة عما إذا كان ينبغي أن تستمر آثارها الاجتماعية والصحية إلى ما لا نهاية، قبل أن تختصر واقع عدد منهم بعبارة لافتة: «لقد خرجنا من السجون، لكن بعضنا لم يخرج بعد من آثار السجن».
وحملت التنسيقية مسؤولية فتح باب جديد أمام هذه الفئة إلى الدولة والمجتمع والأحزاب وكل المؤسسات التي تؤمن بإمكانية أن يبدأ الإنسان من جديد، مؤكدة أن مطلبها هو الانتقال «من السجن إلى المجتمع، ومن العقوبة إلى الإدماج، ومن الصمت إلى الاعتراف بالمعاناة، ومن الإقصاء إلى المواطنة الكاملة».
ووجهت الرسالة إلى جميع الأحزاب دون استثناء، سواء كانت مشاركة في الحكومة أو موجودة في المعارضة أو تستعد للمشاركة في حكومة مقبلة أو البقاء خارجها، انطلاقاً من أن الحكومات والأغلبيات والبرلمانات تتغير، بينما لا تتغير القضايا الإنسانية بتغير موازين السلطة.
وطالبت التنسيقية كل حزب بتقديم جواب واضح عن ثلاثة أسئلة أساسية: ما موقفه من الإدماج الاجتماعي والصحي لقدماء المعتقلين؟ وما موقفه من جبر الضرر عن الآثار التي خلفتها سنوات الاعتقال؟ وهل هو مستعد لفتح نقاش مؤسساتي بشأن هذا الملف؟
واعتبرت أن هذه الأسئلة قد تبدو صغيرة داخل الحسابات الانتخابية، لكنها كبيرة في حياة إنسان ينتظر منذ سنوات إنصافه وجبر ضرره، مؤكدة أن قدماء المعتقلين لا يريدون العيش أسرى للماضي، بل إغلاقه بطريقة تحفظ الكرامة وتفتح باب المستقبل.
واختارت التنسيقية إنهاء رسالتها بمواجهة أخلاقية مباشرة مع الأحزاب التي تستعد لخوض الانتخابات، قائلة: «تعالوا واسمعوا قبل أن تحكموا. تعالوا وانظروا قبل أن تتخذوا. تعالوا واسألوا قبل أن تتبنوا المواقف».
وأضافت أن الانتخابات ستنتهي، والحكومات والمواقع والكراسي ستتغير، لكن ذاكرة الذين عاشوا الألم لا تتغير بنتائج صناديق الاقتراع، محذرة من أن اليوم الذي يلي الانتخابات لن يكون السؤال فيه فقط: من فاز ومن خسر، بل أيضاً: «حين كان مواطنون يطرقون الأبواب طلباً للإنصاف، من فتح لهم بابه؟ حين كان الألم يُروى، من أنصت؟ حين كان الصمت أسهل من الموقف، من اختار أن يتكلم؟ وحين كان بالإمكان أن يبدأ جبر الضرر، من امتلك شجاعة المبادرة؟».
وختمت التنسيقية رسالتها بعبارة تلخص الرهان الذي تضعه أمام الأحزاب قبل طلب أصوات الناخبين: «فالتاريخ لا يحفظ فقط أسماء من وصلوا إلى السلطة، بل يحفظ أيضاً أسماء من امتلكوا الشجاعة، في لحظة كان الصمت فيها أسهل، فانحازوا إلى كرامة الإنسان»، قبل أن تسأل قادة الأحزاب: «قبل أن تطلبوا أصوات المواطنين، نضع بين أيديكم أصواتاً لم تجد بعد من يسمعها… فهل ستكونون ممن سمعوا؟ أم ممن صمتوا؟».
