بقلم: الباز عبدالإله
وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منظومة المخزون الاحتياطي للمحروقات أمام مفارقة ترتبط مباشرة بالأمن الطاقي للمغرب، بعدما سجل أن المملكة تعتمد حصرياً على استيراد المنتجات النفطية المكررة منذ توقف مصفاة «سامير» سنة 2015، بينما أظهرت المعطيات الرسمية المتاحة والمتفرقة خلال السنوات الماضية مستويات مخزون أدنى من الحد التنظيمي المحدد في 60 يوماً.
المعطيات وردت ضمن التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025، المنشور رسمياً في 7 غشت 2026، والذي خصص إحدى نقاط اليقظة لتدبير مخزون الأمان من المحروقات والقمح اللين، في سياق يتسم بتزايد التوترات الجيوسياسية واضطراب سلاسل التوريد وتقلب الأسعار الدولية.
وأكد المجلس أن المنتجات النفطية ما تزال تحتل موقعاً مركزياً داخل المنظومة الطاقية الوطنية، إذ مثلت نحو 51 في المائة من المزيج الطاقي سنة 2025، باستهلاك قُدر بنحو 12.8 مليون طن، استحوذ الغازوال على 73 في المائة منه، مع توقع ارتفاع الاستهلاك بنحو 16 في المائة في أفق سنة 2030.
ويجعل هذا الثقل أي اضطراب في التوريد الخارجي قادراً على التأثير في حركة النقل والإنتاج والأسعار والقدرة الشرائية، خصوصاً بعد توقف نشاط التكرير المحلي واعتماد السوق الوطنية كلياً على استيراد المنتجات النفطية المكررة.
ورغم هذه الوضعية، سجل التقرير أن المعلومات المتعلقة بمستويات مخزون المحروقات لا تُنشر بصورة منتظمة ومنهجية، بل تظل متفرقة ومجزأة، مستندة أساساً إلى تقرير سابق للمجلس الأعلى للحسابات يغطي الفترة الممتدة بين 2011 و2015، وإلى تصريحات رسمية متفرقة صدرت بين سنتي 2022 و2026.
وبحسب المجلس، أظهرت هذه المعطيات المتاحة مستويات مخزون أدنى من الحد التنظيمي المفروض، والمحدد في ما يعادل 60 يوماً من المبيعات في السوق الوطنية بالنسبة إلى شركات التوزيع والتعبئة، من دون أن يقدم التقرير رقماً آنياً وموحداً يحدد مستوى المخزون المتوفر فعلياً خلال سنة 2026.
ولا يتوقف الإشكال عند مستوى الاحتياط، إذ أوضح التقرير أن المغرب لا يتوفر على مخزون استراتيجي أو مخزون أمان عمومي للمحروقات تملكه الدولة، بينما تقوم المنظومة الحالية أساساً على إلزام شركات القطاع الخاص بتكوين المخزون وتدبيره.
واعتبر المجلس أن اعتماد هذا النموذج لا يتيح رؤية واضحة بشأن المخزون المتوفر فعلياً، خصوصاً أن النظام الحالي لا يميز عملياً وبصورة دقيقة بين مخزون الأمان الإلزامي الذي يفترض أن تحتفظ به الشركات، وما يسمى «مخزون الأدوات» الذي تدبره لتلبية حاجاتها التجارية العادية.
وأشار التقرير إلى أن الإطار القانوني للمنظومة يستند إلى القانون رقم 009.71 الصادر سنة 1971، وإلى نصوص تنظيمية وقرارات صدرت بين سنتي 1973 و1977، رغم إدخال تعديلات محدودة عليها خلال سنوات 1981 و2008 و2016، من دون تحول جوهري يواكب تغير السوق وتوقف التكرير المحلي وتزايد الاعتماد على الواردات.
وسجل المجلس غموضاً في الأساس المعتمد لاحتساب المخزون المفروض على المستوردين، وما إذا كان يرتبط بحجم المبيعات المحلية أو الواردات، إلى جانب غياب توضيح بشأن ما إذا كانت التزامات التخزين تتراكم بالنسبة إلى الشركات التي تمارس الاستيراد والتوزيع في الوقت نفسه.
وامتدت الاختلالات إلى عمليات التتبع والمراقبة، إذ أشار التقرير إلى أن عمليات المراقبة المنجزة على المنتجات النفطية تقتصر غالباً على إعداد وضعيات دورية، من دون أن تنتهي بصورة منتظمة إلى إثبات المخالفات رسمياً أو تطبيق العقوبات المنصوص عليها، والتي يعود تاريخها بدورها إلى سنة 1973.
وأضاف المجلس أن الموظفين المكلفين بمهام المراقبة لا يتوفرون، من الناحية العملية، على صفة التحليف المطلوبة، ولا ينجزون محاضر إثبات المخالفات، خلافاً لما تنص عليه المقتضيات القانونية المنظمة للقطاع.
وفي المقابل، ارتفعت الطاقة التخزينية بين سنتي 2021 و2025 بنسبة 36 في المائة بالنسبة إلى المنتجات النفطية السائلة، وبنسبة 43 في المائة بالنسبة إلى غاز البترول المسال، غير أن البنيات المتوفرة ما تزال تعرف تركيزاً جغرافياً كبيراً.
ويتركز أكثر من 70 في المائة من قدرة تخزين غاز البوتان في التجاويف الملحية لشركة «سوماس» بالمحمدية، بينما توجد قرابة 80 في المائة من قدرات تخزين المنتجات النفطية السائلة في طنجة والمحمدية والجرف الأصفر.
ورصد المجلس أيضاً استمرار صعوبات مرتبطة بتوفير العقارات اللازمة لإنشاء منشآت التخزين والحصول على التراخيص، إلى جانب مشاكل الربط بين المستودعات الداخلية والموانئ، فضلاً عن الازدحام المتكرر وطول فترات توقف الملاحة ببعض الموانئ، خصوصاً الجرف الأصفر والمحمدية.
وتبرز مفارقة مالية أخرى في كون كلفة تكوين قدرات التخزين تدخل ضمن الكلفة التي يتحملها المستهلك في بنية أسعار المحروقات منذ رفع الدعم عنها سنة 2014، وفق ما أورده التقرير، بينما لا يوفر النظام الحالي معلومات منتظمة تتيح تقييم حجم المخزون الحقيقي ومدى أثر هذه الكلفة في تأمين السوق وحماية القدرة الشرائية.
واعتبر المجلس أن منظومة التخزين ما تزال محدودة الفعالية في التخفيف من تقلبات الأسعار وحماية القدرة الشرائية، داعياً إلى إقرار تقييم دوري ومستقل لفعالية مخزون الأمان ومدى تأثيره في القدرة الشرائية وإتاحة المحروقات بأسعار يمكن للمواطنين تحملها.
وأمام هذه الاختلالات، دعا المجلس إلى فتح التفكير بشأن الانتقال إلى نموذج مختلط، يجمع بين قدرات تخزين عمومية مخصصة تملكها الدولة مباشرة أو تدبرها وكالة متخصصة، واستمرار فرض التزامات التخزين على المستوردين والموزعين الخواص.
كما أوصى بمراجعة الإطار القانوني وتحديد مسؤوليات الدولة والشركات وآليات تمويل المخزون وتعبئته ومراقبته، مع إعادة تحديد العتبات بحسب أصناف المنتجات وحاجات الجهات وقربها من مواقع الاستيراد وبنيات النقل الجماعي للمنتجات النفطية.
