وضع حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه الانتخابي لاقتراع 2026 أمام مفارقة رقمية وقانونية يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تفصيل تقني، بعدما وعد بتحديد حصة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الصفقات العمومية في 15 في المائة، بينما تدرجها القواعد الجاري بها العمل أصلاً ضمن حصة تبلغ 30 في المائة.
وجاء في الصفحة 25 من البرنامج، ضمن الالتزام بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية المقبلة، تعهد الحزب بـ«تحديد حصة المقاولات الصغرى والمتوسطة من الصفقات العمومية في حدود 15 في المائة من القيمة، بنص قانوني بدل مرسوم».
غير أن المادة 148 من المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية تلزم أصحاب المشاريع بتخصيص 30 في المائة من المبلغ المتوقع للصفقات التي يعتزمون طرحها برسم كل سنة مالية لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة المقيمة بالمغرب.
صحيح أن نسبة 30 في المائة ليست مخصصة حصرياً للمقاولات الصغرى والمتوسطة، إذ تشمل أيضاً المقاولات حديثة النشأة المبتكرة والتعاونيات واتحادات التعاونيات والمقاولين الذاتيين، لكن المقاولات التي خصها برنامج البام بوعد الـ15 في المائة تظل مدرجة صراحة ضمن دائرة المستفيدين من الحصة القائمة.
وبذلك لا يأتي وعد الحزب في فراغ قانوني، بل يقترح رقماً يساوي نصف النسبة الجاري بها العمل، دون أن يوضح علاقته بها: هل يتعلق الأمر بتعويض حصة 30 في المائة؟ أم باقتطاع حصة مستقلة داخلها؟ أم بإضافة نسبة جديدة فوقها؟
وتزداد المفارقة حدة عند الرجوع إلى المادة السابقة مباشرة من المرسوم نفسه. فالمادة 147، المتعلقة بالأفضلية الوطنية، هي التي تعتمد نسبة 15 في المائة عند تقييم العروض المالية المقدمة من متنافسين غير مقيمين بالمغرب.
غير أن نسبة 15 في المائة الواردة في المادة 147 ليست حصة من الصفقات، ولا امتيازاً كمياً مخصصاً للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وإنما آلية حسابية تمنح أفضلية للعروض الوطنية عند منافستها عروضاً مقدمة من فاعلين غير مقيمين بالمملكة.
ويجعل تطابق الرقم الوارد في البرنامج مع نسبة الأفضلية الوطنية سؤال الخلط بين المادتين مشروعاً: هل انتقلت نسبة 15 في المائة من المادة 147 إلى مقترح يتعلق في جوهره بموضوع المادة 148؟
لا يكفي التطابق العددي وحده للجزم بأن معدّي البرنامج وقعوا فعلاً في خطأ قانوني أو نقلوا الرقم من مادة إلى أخرى، خصوصاً أن الوثيقة لم تحل صراحة إلى أي مادة. لكنه يضع الحزب أمام ضرورة الكشف عن مصدر النسبة المقترحة وشرح الطريقة التي بُني بها هذا الالتزام.
فإذا كان المقصود إحلال نسبة 15 في المائة محل الحصة الحالية، فإن الوعد لا يمثل مكسباً للمقاولات، بل تخفيضاً حسابياً للحصة الإجمالية من 30 إلى 15 في المائة.
وإذا كان الحزب يقصد تخصيص 15 في المائة حصرياً للمقاولات الصغرى والمتوسطة داخل الحصة الإجمالية القائمة، فقد يكون المقترح محاولة لحمايتها من منافسة باقي الفئات المستفيدة، لكن البرنامج لم يقل ذلك، ولم يوضح مصير النسبة المتبقية أو كيفية توزيعها.
أما إذا كان المقصود إضافة حصة جديدة قدرها 15 في المائة فوق نسبة 30 في المائة الحالية، فإن الصياغة أغفلت كلمة حاسمة هي «إضافية»، ولم تقدم أي بيان يسمح باستخلاص هذا المعنى.
ولا يحسم اقتراح نقل المقتضى من مرسوم إلى نص قانوني هذا الإشكال. فالرفع من مرتبته القانونية قد يعزز استقراره وإلزاميته، لكنه لا يفسر لماذا اختار الحزب نسبة 15 في المائة تحديداً، ولا كيف ستكون هذه النسبة أفضل للمقاولات من إدراجها الحالي ضمن حصة تبلغ ضعفها.
والأهم أن نسبة 30 في المائة ليست وليدة مرسوم 2023، إذ جرى رفعها من 20 إلى 30 في المائة بموجب تعديل صدر سنة 2019. غير أن المرسوم الحالي، الصادر في 8 مارس 2023 خلال ولاية حكومية يشارك فيها حزب الأصالة والمعاصرة، أعاد تكريسها في المادة 148، ودخل حيز التنفيذ في فاتح شتنبر من السنة نفسها.
وهذا يعني أن الصيغة التنظيمية الحالية مرت خلال تجربة حكومية كان البام أحد مكوناتها، ما يجعل الحزب مطالباً بتفسير سبب تقديمه اليوم نسبة 15 في المائة باعتبارها التزاماً انتخابياً، من دون توضيح علاقتها بنسبة 30 في المائة التي أبقت عليها الحكومة التي يشارك فيها.
ولا يتعلق التدقيق هنا بمدى استفادة المقاولات فعلياً من الحصة المقررة، إذ قد تظل هناك فجوة بين النص والتطبيق. فإذا كانت المشكلة في ضعف التنفيذ، كان بإمكان البرنامج اقتراح تشديد المراقبة، ونشر معطيات الاستفادة، وترتيب جزاءات على عدم احترام الحصة.
أما تقديم نسبة 15 في المائة دون تحديد ما إذا كانت بديلاً عن الحصة الحالية أو جزءاً منها أو إضافة إليها، فيحول الالتزام من جواب انتخابي إلى سؤال قانوني وسياسي مفتوح.
ويظل حزب الأصالة والمعاصرة مطالباً بتوضيح ثلاثة أمور: مصدر رقم 15 في المائة، وعلاقته بحصة 30 في المائة القائمة، وما إذا كان تطابقه مع نسبة الأفضلية الوطنية الواردة في المادة 147 مجرد مصادفة أم نتيجة خلط بين مقتضيين مختلفين في الموضوع والغاية.
