حوّل عبد العلي حامي الدين، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، التراشق المتصاعد بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة إلى اتهام سياسي مباشر، معتبراً أن ما يجري بين شريكي الحكومة ليس صراعاً حقيقياً حول الاختيارات، وإنما «تقاطب اصطناعي» في الساعات الأخيرة من عمر الحكومة، هدفه، بحسب قراءته، حجب الصراع الانتخابي الحقيقي بين «خيار الاستمرارية» وصعود حزب العدالة والتنمية.
وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، قال حامي الدين إنه فقد منذ مدة «شهية التحليل السياسي والتعليق» بسبب ما وصفه بـ«عبثية المشهد السياسي»، قبل أن يعتبر أن مستوى التراشق بين الأحرار والبام أصبح يستدعي الكلام.
واعتبر حامي الدين أن الصورة التي يقدمها الخلاف الحالي بين الحزبين مضللة، لأن الطرفين، بحسب تعبيره، تحملا معاً مسؤولية القرارات الحكومية ودافعا طيلة الولاية عن «مثالية» التحالف وميثاق الأغلبية، قبل أن يتحولا، مع اقتراب الانتخابات، إلى تبادل الانتقادات وتحميل المسؤوليات.
وكتب حامي الدين: «نحن أمام تقاطب اصطناعي، لأنه لا يصنع بديلاً عن حزبين تقاسما معاً مسؤولية القرارات المتخذة داخل الحكومة نفسها»، مضيفاً أنهما قادا معاً تنزيل ما وصفه بـ«برنامج حكومي فاشل».
ووضع حامي الدين تصريحات فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، في قلب هذا التناقض، مستحضراً حديثه عن 280 مليار درهم خصصتها الحكومة لدعم القدرة الشرائية، معتبراً أن لقجع قال إن هذا الدعم ذهب، تقريباً، دون تحقيق الأثر المنتظر.
وقرأ حامي الدين هذا الكلام باعتباره اتهاماً سياسياً ثقيلاً صادراً من داخل الحكومة نفسها، قائلاً: «هكذا، بكل بساطة، يقوم وزير في الحكومة بتوجيه اتهام واضح إلى الحزب الذي يقود الحكومة بـ”تبديد” أموال الدعم».
غير أن صاحب التدوينة ذهب أبعد من خلاف الأحرار والبام، واعتبر أن تفسير ارتفاع منسوب الصراع بينهما يوجد، في جانب منه، خارج الحزبين معاً، وتحديداً في عودة حزب العدالة والتنمية إلى احتلال مساحة أكبر داخل النقاش السياسي والانتخابي.
وربط حامي الدين ذلك بما وصفه بالأداء القوي للمجموعة النيابية للعدالة والتنمية بقيادة عبد الله بووانو خلال السنوات الخمس الماضية، والمؤتمر الوطني للحزب، والندوات الصحفية وبيانات الأمانة العامة، قبل أن يعتبر أن خرجات عبد الإله بنكيران الأخيرة أعادت الحزب بقوة إلى واجهة النقاش السياسي.
وبحسب قراءته، فإن التجمعات التي يؤطرها بنكيران، والحضور الذي تحققه رقمياً وميدانياً، تؤشر على أن العدالة والتنمية يستعيد موقعه باعتباره منافساً انتخابياً للأحزاب المشكلة للحكومة.
وقال حامي الدين إن «المعطيات الموضوعية» تؤكد، في تقديره، أن العدالة والتنمية، إذا حافظ على هذه الدينامية، «سيتموضع كبديل واضح في مواجهة خيار الاستمرارية الذي يمثله حزبا الأحرار والبام».
ومن هنا بنى حامي الدين فرضيته الأساسية: كلما ارتفع حضور العدالة والتنمية وبنكيران، ارتفعت حدة المواجهة بين حزبي الأغلبية، في محاولة، بحسب رأيه، لإنتاج تقاطب سياسي وإعلامي بديل عن المواجهة التي يعتبرها حقيقية بين أحزاب الحكومة وحزب العدالة والتنمية.
ووصف حضور مهرجانات بنكيران بأنه «حقيقي وتلقائي ومتفاعل ومعبر»، في مقابل ما سماه الحضور المصنوع بواسطة «المال والزرود»، مضيفاً بلهجة شديدة: «كلما ارتفع الحضور السياسي لحزب العدالة والتنمية (…) ارتفع سعار التقاطب الاصطناعي بين الحزبين».
لكن أخطر ما خلص إليه حامي الدين لا يتعلق، وفق تدوينته، بمن سيربح الصراع بين الأحرار والبام، وإنما بالكلفة التي قد يدفعها المشهد السياسي بكامله إذا تحول التنافس الانتخابي إلى حرب تصريحات بين أحزاب كانت، إلى وقت قريب، تدافع مجتمعة عن الحصيلة الحكومية نفسها.
وحذّر من أن النتيجة قد تكون «تيئيس الناس من السياسة، ودفع البقية الباقية منهم إلى الكفر بالمشاركة الانتخابية، وانتظار المجهول».
واختزل حامي الدين المعركة التي يعتقد أنه ينبغي أن تُعرض على الناخب في سؤال واحد: «هل نحن أمام استمرار لما هو قائم، أم أمام إمكانية حقيقية للتغيير؟»، معتبراً أن الانتخابات تحتاج إلى اختيارات واضحة، وتنافس حقيقي، ومواطن مقتنع بأن لصوته معنى.
ولم ينه تدوينته دون توجيه ضربة إضافية إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مستحضراً موقفاً سابقاً لعبد اللطيف وهبي حين كان رئيساً للحزب، عندما أقسم، بحسب حامي الدين، أنه لن يكون وزيراً في حكومة يرأسها التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يصبح لاحقاً وزيراً في الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش.
واعتبر حامي الدين أن الرهان الحالي يقوم مجدداً على ما سماه «ذاكرة السمكة»، في إشارة إلى التعويل، وفق قراءته، على نسيان المغاربة مشهد السنوات الماضية والتحالف الذي جمع الأحزاب نفسها قبل أن تدخل، على بعد أيام من صناديق الاقتراع، في مواجهة سياسية مفتوحة.
وبهذا يضع حامي الدين رواية مضادة تماماً للصورة التي يحاول الخلاف بين الأحرار والبام تقديمها للناخب: ليس حزبان يمثل كل منهما بديلاً عن الآخر، وفق قراءته، وإنما شريكان في حصيلة واحدة يحاول كل منهما، عند نهاية الولاية، التخلص من كلفتها السياسية وإعادة تقديم نفسه في ثوب المعارضة.
ويبقى السؤال الذي تفتحه تدوينته أكثر إحراجاً من التراشق نفسه: إذا كان الأحرار والبام قد تقاسما الحكومة وقراراتها وحصيلة خمس سنوات، فهل يكفي أن يتبادلا الاتهامات قبل الانتخابات حتى يصبح أحدهما بديلاً عن الآخر؟
