بقلم: الباز عبدالإله
لم يكتف فوزي لقجع، خلال اللقاء الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة بمدينة بوزنيقة، بتقديم موقف سياسي أو الدفاع عن برنامج حزبه، بل جمع في كلمة واحدة بين رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ومشروع ملعب وطني ضخم، وقرار نسبه إلى الملك محمد السادس، ثم ملفات السكن وإعادة الإيواء التي تؤرق سكان إقليم بنسليمان.
هكذا دخلت كرة القدم، بما تملكه من تأثير عاطفي واسع لدى المغاربة، إلى قلب المنافسة الحزبية.
وبدل الحديث عن طموح المغرب أو عن ترشيح ملعب الحسن الثاني لاستضافة المباراة النهائية لكأس العالم 2030، قدّم لقجع الأمر باعتباره قراراً منتهياً، قائلاً إن النهائي سيقام ببنسليمان «أحب من أحب وكره من كره».
المشكلة هنا لا تتعلق بطموح المغرب إلى احتضان النهائي، وهو طموح مشروع، وإنما بالجهة التي تملك سلطة تحويل هذا الطموح إلى قرار رسمي.
فالقرار الرسمي بشأن ملعب النهائي لم يصدر بعد عن الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وهذا ما يجعل تصريح لقجع يتجاوز حدود الحماس أو التفاوض، لأنه يقدم للرأي العام أمراً بصيغة اليقين قبل صدور قرار رسمي من المؤسسة المختصة.
ولم تكن هذه أول مرة يتحول فيها الطموح الكروي في خطاب لقجع إلى يقين يسبق صافرة البداية.
ففي 25 شتنبر 2025، وعلى هامش توقيع اتفاقية شراكة بالرباط بين الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم وشركة «أولماس»، خرج لقجع بتصريح واضح: «سنفوز بكأس العالم وكأس إفريقيا ستبقى في المغرب».
ثم عاد في يونيو 2026، خلال مقابلة مع منصة «أثير» التابعة لشبكة الجزيرة، ليؤكد ثقته في قدرة المنتخب المغربي على الفوز بكأس العالم 2026.
وبعد أقل من شهر، انتهت رحلة المنتخب المغربي في ربع النهائي بهزيمة هدفين لصفر أمام فرنسا.
أما كأس إفريقيا، التي قُدّم بقاؤها في المغرب كأمر محسوم، فقد دخلت بدورها مساراً معقداً.
السنغال فازت على أرض الملعب بهدف لصفر بعد التمديد، قبل أن تعتبر لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم انسحابها المؤقت بمثابة خسارة بالغياب، وتمنح المغرب الفوز بثلاثة أهداف لصفر.
لكن الملف لم يُغلق، بعدما طعنت السنغال في القرار أمام محكمة التحكيم الرياضي، وحددت جلسة الاستماع في 8 أكتوبر 2026.
ليس المقصود الشماتة في المنتخب، ولا محاكمة مسؤول رياضي لأن توقعاً متفائلاً لم يتحقق.
فالرياضة بطبيعتها لا تمنح أحداً ضمانات.
المقصود هو نمط في الخطاب: كأس عالم تُوزع قبل المباريات، وكأس إفريقيا يُحسم بقاؤها قبل إغلاق ملفها نهائياً، ثم نهائي 2030 يُمنح لبنسليمان قبل قرار «فيفا».
وعندما ينتقل هذا اليقين من مناسبة رياضية إلى منصة انتخابية، فإنه لا يعود مجرد خطاب تحفيزي، بل يتحول إلى مادة سياسية تستثمر تعلق المغاربة بمنتخبهم وبطموحاتهم الكروية.
والتناقض هذه المرة موثق بكلام لقجع نفسه.
ففي مقابلة يونيو 2026، قال إن لجنة من «فيفا» ستقيّم المدن والملاعب قبل اتخاذ القرار النهائي، وإن تحديد المدن المضيفة سيتم قبل نهاية السنة.
وبعد نحو ثلاثة أشهر فقط، وقف في تجمع انتخابي ليعلن أن النهائي سيكون في بنسليمان «أحب من أحب وكره من كره».
فما الذي تغير بين يونيو وشتنبر؟
هل أنهت لجنة «فيفا» تقييمها؟
هل صدر قرار رسمي؟
وأين نُشر؟
فبأي وثيقة حسم لقجع ما لم تحسمه «فيفا» بعد؟
إذا كان يتوفر على قرار رسمي جديد يمنح نهائي 2030 لملعب الحسن الثاني، فلماذا لم يصدر في بلاغ عن الاتحاد الدولي لكرة القدم أو عن الهيئات المكلفة بتنظيم المونديال؟
وإذا كان الأمر مجرد طموح مغربي أو موقف تفاوضي داخل سباق استضافة النهائي، فلماذا قُدّم إلى الناخبين بصيغة اليقين؟
يزيد الصورة تعقيداً أن رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، رافاييل لوزان، سبق أن أعلن بدوره أن النهائي سيقام في إسبانيا، رغم غياب أي قرار رسمي.
ولا يمكن أن يكون إعلان المغرب وإعلان إسبانيا حاسمين في الوقت نفسه ما دام القرار الرسمي لم يصدر.
بل يكشف ذلك أن ما يُقدَّم أحياناً للرأي العام في المغرب وإسبانيا كأمر محسوم لا يزال في الواقع موضوع تنافس وقرار لم يصدر بعد عن الجهة صاحبة الاختصاص.
غير أن خرجة بوزنيقة لا تقف عند استباق قرار «فيفا».
لقجع لم يكن يتحدث في ندوة رسمية للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ولا أمام لجنة تقنية لتقديم معطيات عن ملف مونديال 2030.
كان يتحدث داخل اجتماع انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، بصفته عضواً في مكتبه السياسي، في الوقت الذي يحمل فيه أيضاً صفة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
ثلاث قبعات اجتمعت فوق منصة واحدة.
والسلطة المعنوية والشعبية التي راكمها لقجع من رئاسة الجامعة ومن إنجازات المنتخبات الوطنية حضرت بقوة في خطابه، بينما جرى تقديم كل ذلك أمام جمهور حزبي يخوض انتخابات 23 شتنبر.
وزاد لقجع الصورة وضوحاً عندما قال، وسط تصفيق الحاضرين، إن «من يريد أن يكون في الحكومة المقبلة، ليس أمامه من حل سوى تطوير إقليم بنسليمان».
هنا لم يعد الحديث مجرد دفاع رياضي عن ملف المونديال.
صار الملعب بوابة للحديث عن الحكومة المقبلة وعن التنمية المحلية داخل تجمع انتخابي.
التنمية حق لسكان بنسليمان، وليست مكافأة يمنحها حزب، ولا ورقة تفاوض يقدمها قيادي انتخابي.
كما أن اختيار الإقليم لاحتضان مشروع وطني بهذا الحجم لا يجعل المشروع ملكاً سياسياً للأصالة والمعاصرة، ولا يسمح لأي تنظيم بوضعه تلقائياً في رصيده الحزبي أمام الناخبين.
لقجع قال أيضاً إن اختيار موقع ملعب الحسن الثاني لم يكن قراراً شخصياً منه، بل اختياراً للملك محمد السادس، واعتبره دليلاً على العناية التي يحظى بها الإقليم.
وإذا كان القرار ملكياً ووطنياً، كما أكد بنفسه، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحاً: لماذا يُستحضر داخل منصة حزبية في قلب التنافس الانتخابي؟
المشاريع الوطنية الكبرى تخص المغاربة جميعاً وتتجاوز الأحزاب.
وربط مشروع بهذا الحجم بخطاب حول الحكومة المقبلة داخل تجمع حزبي يفتح سؤال الحدود بين مشروع الدولة ورصيد الحزب.
ثم جاء ملف السكن ليضيف سؤالاً أكثر حساسية.
بعدما أثار متدخلون مشاكل السكن، أعلن لقجع أنه طلب وضع الملفات على مكتبه ابتداء من اليوم الموالي، وأنه سيشتغل عليها كما لو كان هو المعني بها شخصياً، قبل أن يتساءل: «واحد باش نضمنوا له السكن اللائق خاصو يصوت عليا؟».
الجواب البديهي هو: لا.
لكن السؤال الحقيقي هو لماذا تُعلَن متابعة ملفات السكن ووضعها على مكتب قيادي سياسي من داخل لقاء انتخابي أصلاً؟
وأي مكتب قصده لقجع؟
هل هو مكتب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية؟
أم مكتب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم؟
أم مكتب عضو قيادة حزب الأصالة والمعاصرة؟
وبأي اختصاص ومسطرة سيتولى شخصياً ملفات مواطنين يفترض أن تعالجها المؤسسات المختصة وفق معايير معلنة ومتساوية؟
قول لقجع إن السكن لا ينبغي ربطه بالانتخابات مهم في حد ذاته، لكنه لا يلغي الأسئلة التي يطرحها سياق الكلام.
فالحقوق الاجتماعية تُحمى من أي شبهة توظيف انتخابي عندما تُفصل عن المنصات الحزبية، وتحال على المؤسسات المختصة، مع وضوح معايير الاستفادة والآجال والتمويل والجهة المسؤولة عن اتخاذ القرار.
الأمر نفسه ينطبق على سكان المنصورية والمناطق المعنية بإعادة الإيواء.
تعهّد لقجع بالترافع عن الملف «إلى آخر رمق» قد يبدو مطمئناً للمتضررين، لكن إعادة الإيواء لا تنجز بالتعهدات الشخصية وحدها.
إنها ترتبط بالعقار والتمويل ولوائح المستفيدين وقرارات السلطات والجماعات والقطاعات الحكومية المختصة.
المطلوب ليس راعياً سياسياً للملف، بل مسطرة شفافة تضمن حقوق الجميع بعيداً عن القرب الحزبي.
المفارقة أن لقجع قال إن كأس العالم «يهم المغاربة وليس المسؤولين»، وإن المغاربة هم من يجب أن يستفيدوا منه.
والعبارة صحيحة في أصلها.
لكنها تفتح السؤال نفسه: إذا كان المونديال ملكاً للمغاربة، فلماذا أُعلن نهائيه غير المحسوم من منصة حزبية؟ ولماذا جرى وصل الملعب بالحكومة المقبلة وبملفات تنمية الإقليم داخل اجتماع انتخابي؟
ولا تعني هذه الوقائع، في حد ذاتها، إصدار حكم قانوني بوجود مخالفة انتخابية.
فتحديد القصد الجرمي وتكييف الوقائع وترتيب المسؤوليات من اختصاص السلطات والقضاء والجهات المكلفة بالمراقبة.
لكن القانون نفسه يجعل مسألة الفصل بين الخدمات والوعود العمومية والتأثير في الناخبين شديدة الحساسية.
فالمادة 64 من القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كما تم تغييرها وتتميمها بالقانون التنظيمي رقم 53.25، تعاقب على تقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بها أو «هبات إدارية» لجماعة ترابية أو لمجموعة من المواطنين، خلال الفترة الممتدة من نشر المرسوم المحدد لتاريخ الاقتراع إلى إعلان النتائج، متى ثبت أن الغرض منها هو التأثير في تصويت الناخبين.
أما المادة 65 فتنص على مضاعفة العقوبة في الحالات الواردة بالمواد من 62 إلى 64 إذا كان مرتكب الجريمة موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو جماعة ترابية.
وإيراد هذه المقتضيات لا يعني إسقاطها آلياً على تصريحات لقجع أو الجزم بقيام عناصر جريمة انتخابية.
لكنه يوضح لماذا يصبح الحديث عن معالجة ملفات اجتماعية ومطالب مواطنين داخل تجمع انتخابي مسألة تستوجب أقصى درجات الوضوح والفصل بين الصفة الحكومية والصفة الحزبية.
على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن توضح للرأي العام هل توصلت فعلاً بقرار من «فيفا» يمنح النهائي لملعب الحسن الثاني.
وعلى الحكومة أن توضح الصفة والاختصاص اللذين سيتدخل بهما لقجع في ملفات السكن وإعادة الإيواء التي طُرحت خلال اللقاء.
وعلى حزب الأصالة والمعاصرة أن يجيب عن سؤال بسيط: هل يعرض برنامجه على الناخبين، أم يستحضر أمامهم النفوذ المؤسسي والرياضي لأحد أبرز قيادييه؟
من حق فوزي لقجع أن يمارس السياسة وأن يدافع عن الحزب الذي اختاره.
لكن المنتخب الوطني ليس لائحة انتخابية، وملعب الحسن الثاني ليس مقراً لـ«البام»، وملفات سكن المواطنين ليست أوراقاً توضع على مكتب قيادي حزبي بعد تجمع انتخابي.
ومن يطلب من الناس الفصل بين السكن والتصويت، عليه أولاً أن يفصل بين قميص المنتخب ورمز الحزب.
