بقلم: الباز عبدالإله
قبل أيام من انتخابات 23 شتنبر، يجد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه أمام سؤال لا يتعلق فقط بضخامة وعوده الانتخابية، بل بمدى انسجام الوثائق الرسمية التي يقدمها للناخبين، بعدما ظهر واحد من أثقل التزاماته المالية في عرض رسمي للحزب، ثم لم يُثبَّت بالصيغة نفسها داخل البرنامج الانتخابي الكامل المنشور بعد ذلك بيومين.
المفارقة تبدأ من كلام الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، الذي شدد في 3 غشت 2026 على أن برنامج الاتحاد الاشتراكي لا يقوم على الشعارات أو التمنيات، مؤكداً أن الحزب، عندما يقدم التزاماته، سيشرح من أين سيأتي التمويل، ومن أين ستأتي الإمكانيات، وما الذي سيحققه.
هذا المعيار الذي وضعه لشكر بنفسه أصبح قابلاً للاختبار بالأرقام بعدما نشر الحزب، بتاريخ 7 شتنبر، عرضاً رسمياً لالتزاماته الانتخابية.
ففي باب «العدالة الجبائية»، تعهد الاتحاد الاشتراكي بتخفيف العبء الضريبي على الأجراء بنسبة 10 في المائة، وبالتوازي مع ذلك، بتعبئة موارد إضافية تعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام عبر توسيع الوعاء الضريبي.
خمسة في المائة تبدو مجرد نسبة، لكن تحويلها إلى قيمة مالية يكشف حجم الالتزام.
فبحسب أحدث الحسابات الوطنية السنوية، بلغ الناتج الداخلي الخام للمغرب بالأسعار الجارية نحو 1,720.2 مليار درهم سنة 2025.
وباحتساب 5 في المائة من هذا الناتج، تصل القيمة الحسابية لهذا الهدف إلى نحو 86 مليار درهم، أي ما يقارب 8 آلاف و600 مليار سنتيم.
ولفهم ثقل الرقم أكثر، فإن هذه القيمة تعادل قرابة 23 في المائة من مجموع المداخيل الجبائية السنوية المتوقعة للدولة برسم سنة 2026.
بمعنى آخر، نحن أمام هدف مالي توازي قيمته الحسابية ما يقارب ربع المداخيل الجبائية التي تتوقع الدولة تحصيلها خلال سنة كاملة.
وهنا يعود السؤال الذي سبق أن وضعه لشكر نفسه في صلب البرنامج: من أين سيأتي التمويل؟
كم ستوفر محاربة التهرب والغش الضريبي؟ وكم سيأتي من إدماج الاقتصاد غير المهيكل؟ وما الذي ستضيفه مراجعة الإعفاءات والنفقات الجبائية؟ وما حجم الموارد التي يمكن أن يوفرها توسيع قاعدة الملزمين؟
ثم كيف ستتم تعبئة هذه الموارد الإضافية في الوقت نفسه الذي يعد فيه الحزب بتخفيف العبء الضريبي على الأجراء بنسبة 10 في المائة؟
كان من المفترض أن تجد هذه الأسئلة تفاصيل أكبر داخل البرنامج الكامل، خصوصاً أن الحزب يقدم مشروعه باعتباره واقعياً وقابلاً للتطبيق.
لكن بعد يومين فقط، وتحديداً في 9 شتنبر، نشر الاتحاد الاشتراكي برنامجه الانتخابي الكامل، المكون من 72 صفحة، على موقعه الرسمي.
الوثيقة تتوسع فعلاً في السياسة الجبائية، وتتحدث عن مراجعة أشطر الضريبة على الدخل، والرفع التدريجي للشريحة المعفاة، وإدماج الأنشطة غير المهيكلة، وتعميم الفاتورة الإلكترونية، ومحاربة التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة الملزمين، إلى جانب مقترح ضريبة تصاعدية على الثروات الكبرى.
لكن الهدف الرقمي الأثقل، أي تعبئة موارد إضافية تعادل 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، لا يظهر في الباب التفصيلي المقابل داخل البرنامج الكامل بالطريقة نفسها التي ظهر بها في عرض 7 شتنبر.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد الأمر فقط: كيف سيجمع الاتحاد الاشتراكي موارد إضافية تعادل، باعتماد ناتج 2025، نحو 86 مليار درهم؟
بل أصبح أيضاً: هل ما زال الحزب ملتزماً أصلاً بهدف الـ5 في المائة؟
إذا كان الجواب نعم، فلماذا لم يُثبَّت الرقم في البرنامج الكامل الذي يفترض أنه المرجع الأكثر تفصيلاً؟
وإذا كان الرقم قد عُدّل أو جرى التخلي عنه، فلماذا بقيت الصفحة الرسمية السابقة تعرضه باعتباره التزاماً انتخابياً؟
وأي الوثيقتين سيُحاسب الحزب على أساسها بعد الانتخابات؟
الاختلاف نفسه يظهر في الشق الصناعي.
فعرض 7 شتنبر يتحدث صراحة عن تحقيق 1.5 نقطة نمو إضافية سنوياً، إلى جانب إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي ورفع الصادرات الصناعية بنسبة 40 في المائة.
أما البرنامج الكامل، فيفصل في السيادة الصناعية والعقود الاستراتيجية والإدماج المحلي والمناولة والصادرات، ويحتفظ بهدف إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي، لكن رقم 1.5 نقطة نمو إضافية سنوياً لا يظهر في الالتزامات الصناعية المقابلة بالطريقة نفسها.
وهذا ليس مجرد تفصيل صغير في الصياغة.
فنقطة ونصف من النمو السنوي رقم ثقيل، خصوصاً أن الحزب يحدد في برنامجه الكامل هدفاً ماكرو-اقتصادياً عاماً يتمثل في تحقيق معدل نمو لا يقل عن 6 في المائة سنوياً بحلول 2031.
وهنا يطرح سؤال اقتصادي مباشر: إذا كانت الصناعة ستضيف 1.5 نقطة نمو سنوياً، فما موقع هذه النقطة والنصف داخل هدف الـ6 في المائة؟
هل هي جزء منه أم إضافة فوق مسار نمو مرجعي؟ وما معدل النمو المرجعي الذي انطلق منه الحزب أصلاً قبل احتساب أثر سياسته الصناعية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن أهداف الاتحاد الاشتراكي مستحيلة، ولا تثبت وجود خطأ حسابي مؤكد في البرنامج.
لكنها تكشف أمراً أكثر وضوحاً: الحزب نشر وثيقتين رسميتين لا تعرضان الأرقام الثقيلة نفسها بالطريقة نفسها.
عرض رسمي بتاريخ 7 شتنبر يضع هدف 5 في المائة من الناتج و1.5 نقطة نمو صناعي إضافية سنوياً، ثم برنامج كامل منشور يوم 9 شتنبر يفصل في الجبايات والصناعة من دون إعادة تثبيت الرقمين نفسيهما داخل الأبواب المقابلة.
وقد يكون الأمر مجرد اختلاف بين وثيقة تلخيصية وأخرى تفصيلية، أو مراجعة في الصياغة، أو تحديثاً لم يشرح الحزب خلفياته.
لكن عندما يقدم الاتحاد الاشتراكي برنامجه باعتباره تعاقداً قابلاً للقياس والمحاسبة، فإن توحيد الأرقام بين وثائقه الرسمية يصبح جزءاً من مصداقية هذا التعاقد نفسه.
فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة أن الحزب يريد توسيع الوعاء الضريبي أو تقوية الصناعة، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة ما إذا كان الحزب ما يزال ملتزماً بهدف تعادل قيمته الحسابية، على أساس ناتج 2025، نحو 86 مليار درهم.
كما يحتاج إلى معرفة أين ذهبت 1.5 نقطة النمو الصناعية عندما انتقل الحزب من عرضه المختصر إلى برنامجه الكامل.
ولهذا يعود اليوم كلام إدريس لشكر إلى حزبه نفسه: من أين التمويل؟
لكن السؤال صار أثقل: من أين ستأتي الموارد التي يعادل هدفها نحو 86 مليار درهم؟ ولماذا ظهر هدف 5 في المائة من الناتج في عرض رسمي ثم لم يعد مثبتاً بالطريقة نفسها في البرنامج الكامل؟ وأين ذهبت 1.5 نقطة النمو الصناعية بين وثيقتي 7 و9 شتنبر؟
فالوعود يمكن أن تتغير صياغتها بين منشور وآخر، لكن هدفاً تعادل قيمته الحسابية نحو 8 آلاف و600 مليار سنتيم لا ينبغي أن يدخل الحملة في سطر، ثم تغيب معادلته الرقمية عن الوثيقة التي يفترض أن تكون المرجع الكامل للحزب، من دون أن يبقى وراءه سؤال ثقيل:
أي وعد سيحاسَب عليه الاتحاد الاشتراكي؟
